المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطن

Mar 09, 2026 /
بقلم: حكيمة القرقوري

المقاومة والتحرير قراءة تاريخية

احتضن مقر النيابة الإقليمية لقدماء المقاومة وأعضاء جيش التحرير بالقنيطرة يوم الثلاثاء 25 نونبر 2025 على الساعة الحادية عشرة صباحا، ندوة فكرية وازنة أعادت تركيب لحظات مفصلية من تاريخ المغرب الحديث، من زمن الكفاح الوطني إلى استكمال الوحدة الترابية، نظم اللقاء، بشراكة مع مؤسسة ألفا للتعليم الخاص، تخليدا لثلاثة محطات كبرى: الذكرى السبعين لعيد الاستقلال، الذكرى التاسعة والستين لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بالجنوب، والذكرى الثامنة والستين لانتفاضة قبائل أيت باعمران، في سياق يفرض إعادة قراءة هذه الأحداث بما تحمله من رمزية عميقة في الذاكرة الوطنية.

جريدة الاخبار 24 % - المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطنالذاكرة التاريخية بين الفعل والتربية

شهدت الندوة مشاركة بارزة لمجموعة من الأساتذة والباحثين، من بينهم: المؤرخ الدكتور عبد القادر بوراس، والأستاذة الباحثة عائشة الزعفراني، والدكتور عبد الرحيم الكوش، المتخصص في علوم التربية وديداكتيك التاريخ، وقد أشرفت الدكتورة أمينة وعزيز، على فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالقنيطرة، وإدارة النقاش وتأطيره علميا، ما أضفى على المداخلات توازنا بين العمق الأكاديمي وسياق الأحداث التاريخية، وقد قدم المتدخلون مقاربات تحليلية متعددة المستويات، عكست التفاعل بين الأبعاد السياسية والاجتماعية والتربوية للمسار الوطني، مؤكدين أن تجربة التحرير لم تكن مواجهة مع الاستعمار، بل مشروعا مجتمعيا أعاد تشكيل هوية الدولة المغربية وأعاد رسم خريطة التحولات الاجتماعية عبر عقود، حيث تم استحضار السياق السياسي الذي مهد لاستقلال المغرب، مرورا بمرحلة بناء الدولة الحديثة، وصولا إلى ملحمة استكمال الوحدة الترابية وتضحيات جيش التحرير وقبائل الجنوب، منها قبائل أيت باعمران، التي شكلت انتفاضتها محطة فارقة في تاريخ الصمود والمقاومة، كما ركز الباحثون على ضرورة نقل هذه الذاكرة إلى الأجيال الصاعدة ودمجها في المنظومة التربوية وقيم المواطنة، مؤكدين أن الندوة لم تكن احتفاءا بالذكريات المجيدة، بل منصة لإعادة الربط بين الماضي والحاضر، وفهما أعمق لمسار المقاومة والتحرير، بما يتيح استشراف مستقبل يرتكز على إرث الكفاح الوطني.

جريدة الاخبار 24 % - المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطنفضاء الذاكرة الوطنية بين الاحتفاء والمعرفة

استهلت الندوة بآيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبها أداء النشيد الوطني، ليفتتح بذلك فضاء الاحتفاء بالذاكرة الوطنية، إذ أدارت الجلسة الدكتور أمينة وعزيز بكفاءة عالية، مشكلة جسرا بين العمق المعرفي والسياق التاريخي للمقاومة وجيش التحرير بالقنيطرة، ما منح الحضور تجربة معرفية متكاملة ومتوازنة، إذ نسجت خيوط النقاش، مانحة للندوة إيقاعا رصينا ينسجم مع زخم المناسبة وقيمتها الرمزية الوطنية، ليبرز الحدث كمنصة فكرية تجمع بين الاحتفاء بالذاكرة التاريخية وتعميق الفهم لدى المشاركين حول محطات المقاومة وبناء الهوية المغربية.

جريدة الاخبار 24 % - المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطنشراكة تربوية لترسيخ الذاكرة الوطنية

افتتح مدير مؤسسة ألفا للتعليم الخصوصي، السيد عبد الإله العزوزي، فعاليات الندوة الفكرية والعلمية بكلمة رحب فيها بالحضور، من ممثلي النيابة الإقليمية والأساتذة والأطر التربوية والتلاميذ، مؤكدا اعتزاز المؤسسة باحتضان لقاء يندرج في إطار الشراكة القائمة مع النيابة الإقليمية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالقنيطرة، واعتبر العزوزي أن تنظيم مثل هذه الندوات تجسد حرص الطرفين على ترسيخ الوعي التاريخي لدى الناشئة وارتباطها بالذاكرة الوطنية، وأشار مدير مؤسسة ألفا للتعليم الخصوصي إلى القيمة العلمية للندوة، التي يؤطرها ثلة من الباحثين والأساتذة المتخصصين، منهم الدكتور عبد القادر بوراس، والدكتور عبد الرحيم الكوش, والأستاذة عائشة الزعفراني، كما عبر عن تقديره لمجهودات المؤطرين والمنسقين، منوها بالدور المحوري للأستاذة الزعفراني والدكتورة وعزيز في إنجاح هذا الموعد الفكري، وفي سياق حديثه، أوضح العزوزي على رمزية الظرفية التي ينعقد فيها هذا اللقاء، إذ يتزامن مع تخليد عدد من المناسبات الوطنية البارزة، من بينها عيد الاستقلال المجيد، والذكرى التاسعة والستون لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بالجنوب، والذكرى الثامنة والستون لانتفاضة قبائل آيت باعمران، إضافة إلى الاحتفاء بذكرى المسيرة الخضراء التي حملت هذه السنة زخما خاصا بفعل الاعترافات الدولية بمبادرة الحكم الذاتي، وموقف مجلس الأمن الداعم له، معتبرا ذلك انتصارا تاريخيا للمغرب في مسار استكمال وحدته الترابية، واختتم كلمته بالدعاء بالتوفيق للجميع في خدمة الأجيال الصاعدة والوطن، مؤكدا أن الوعي بالتاريخ يظل ركيزة في بناء المستقبل.

جريدة الاخبار 24 % - المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطنقراءة في التاريخ المغربي الحديث

في كلمته أمام تلاميذ مؤسسة التعليم الخصوصي “ألفا”، أعرب الباحث والمؤرخ عبد القادر بوراس عن امتنانه للنيابة الإقليمية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وللمؤسسة التعليمية العريقة التي أسسها نخبة من الأساتذة، ويشرف على إدارتها طاقم تربوي وعلمي كفؤ. وشدد بوراس على أن الهدف من حديثه اليوم ليس تقديم محاضرة أكاديمية مطولة، بل التركيز على المفاهيم التاريخية الأساسية التي تُمكّن التلاميذ من فهم أحداث المغرب المعاصر، من انتفاضة الصحراء 1969 إلى المسيرة الخضراء والانتصارات الدبلوماسية، مع الغوص في السياق التاريخي لتأسيس جيش التحرير وبروز الشخصية المغربية المدافعة عن وطنها، وأكد بوراس أن المغرب، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان هدفاً لتدخلات القوى الأوروبية الإمبريالية، مع إبراز لحظة مفصلية مثل معركة إيسلي 1844، حين كشف الجيش المغربي عن هشاشته العسكرية أمام فرنسا، ما فتح الباب للأطماع الأوروبية. ولعبت بريطانيا دور الحامي غير المباشر لمصالحها، بينما استغلت فرنسا الوضع لفرض معاهدات تحددت بموجبها الحدود، مع ترك مناطق مفتوحة مثل الصحراء الشرقية لتغزوها لاحقا، وأضاف بوراس أن حرب تطوان (1859-1860) مع إسبانيا أبدت ضعف المواجهة للقوى الأجنبية، ما دفع السلاطين لاحقا إلى اعتماد سياسة “تأجيل الاستعمار” عبر المراوغة الدبلوماسية والتأكيد على السيادة التقليدية القائمة على البيعة، ومع مطلع القرن العشرين وفروض الحماية، شهد المغرب تقسيم أراضيه واحتلال الصحراء من طرف إسبانيا، لكن روح المقاومة لم تتوقف، حيث استمرت العمليات حتى استقلال المغرب عام 1956، ومن ثم إطلاق جيش التحرير في الجنوب الذي حقق انتصارات بارزة، دفعت فرنسا وإسبانيا للتحالف في “عملية المكنسة” 1958 لمحاولة كبح جماح المقاومة. وكشف بوراس في حديثه أن هذه المسيرة التاريخية لم تكن مجرد صراع على الأرض، بل مواجهة مستمرة بين مفهومي السيادة المغربي والأوروبي، حيث حافظ المغرب على هويته الوطنية واستقلال قراره رغم التحديات والمخططات الاستعمارية.

جريدة الاخبار 24 % - المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطنمن النضال إلى الوحدة الترابية

في مستهل كلمته، عبر الدكتور عبد الرحيم الكوش، الباحث في علوم التربية وديدكتيك التاريخ، عن سعادته بالوجود في هذا الفضاء التعليمي العريق، الذي وصفه بـ”الذاكرة الحية”، مؤكدا أن ما نعيشه اليوم من استقرار وأمن لم يكن ليكون لولا تضحيات الأجداد والشهداء الذين ضحوا من أجل الوطن، وعبر الكوش عن سروره بمشاركة الأستاذ عبد القادر بوراس والأستاذة عائشة الزعفراني في هذه الندوة، متمنيا لو استمر الحديث الشيق طوال الجلسة، شرع الكوش عرض التواريخ الوطنية الهامة التي يحتفل بها المغاربة، مسلطا الضوء على الدلالات التاريخية لكل منها: المسيرة الخضراء “6 نونبر 1975″، عيد الاستقلال “18 نونبر 1956″، وثيقة المطالبة بالاستقلال “11 يناير 1944″، ثورة الملك والشعب “20 غشت 1953″، واسترجاع إقليم وادي الذهب “14 غشت 1979، وأكد أن معرفة هذه التواريخ هي المدخل لفهم السياق التاريخي للمقاومة والنضال الوطني، واستعرض الكوش مراحل المقاومة المغربية ضد الحماية الفرنسية والإسبانية، بدءا من المعارك المسلحة البارزة منها: سيدي بوعثمان (1912)، الهري (1914)، أنوال (1921) وبوغافر (1933)، وصولا إلى تحول النضال إلى المقاومة السياسية بعد صدور “الظهير البربري” سنة 1930، إذ برزت خلالها رموز الحركة الوطنية: علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، وتأسيس أول حزب سياسي “كتلة العمل الوطني”، وصولا إلى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وأبرز الكوش أن النضال لم يتوقف عند الاستقلال سنة 1956، بل استمر لاستكمال الوحدة الترابية عبر استرجاع مناطق محتلة من طرف إسبانيا، بداية بطرفاية (1958)، ثم سيدي إيفني (1969)، الساقية الحمراء ضمن المسيرة الخضراء (1975)، وصولا إلى وادي الذهب (1979)، واعتبر أن هذه المسيرة التاريخية شكلت نموذجا للشخصية الوطنية المغربية التي جمعت بين الصمود والاستراتيجية السياسية، مستحضرا، حياة الراحل عبد الرحيم بوعبيد، أحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، الذي لعب دورا محوريا في مفاوضات إيكس ليبان وبعد الاستقلال تمثيل المغرب دبلوماسيا وسياسيا حتى وفاته سنة 1992.

جريدة الاخبار 24 % - المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطناستحضار بطولات التحرير وثورة الملك والشعب
افتتحت أستاذة الاجتماعيات عائشة الزعفراني، كلمتها بالترحم على شهداء الوطن الذين ضحوا بأرواحهم دفاعا عن كرامة المغرب واستقلاله ووحدته الترابية، وتخليدا للذكرى التاسعة والستين لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بالجنوب، والذكرى الثامنة والستين لانتفاضة قبائل آيت بعمران، وأكدت أن هذه التضحيات شكلت لب المقاومة الوطنية ورافعة لاستكمال الوحدة الترابية، تطرقت الزعفراني إلى ثورة الملك والشعب من خلال قصة حية نقلتها عن كتاب الملك الحسن الثاني “التحدي”، حيث وصف لحظة لقاء الجنرال الفرنسي “غيوم” المقيم العام بالمغفور له محمد الخامس، حين جاء إلى القصر مطالبا السلطان بالتنازل عن العرش، واستحضرت الأستاذة الحوار التاريخي بين السلطان والمقيم العام، الذي جسد موقف محمد الخامس الثابت ضد التنازل عن السلطة، رافضا المساومة على الوطن ومتمسكا بمسؤولية الدفاع عن الحرية والشعب، وأفادت الزعفراني أن رد السلطان المجاهد كان حازما وواضحا: “إني ملك المغرب الشرعي، ولن أخون الأمانة أبدا التي ائتمنني عليها شعبي الوفي المخلص، إن فرنسا قوية، فلتفعل ما تشاء”، مستحضرة اقتباسه من قصة سيدنا يوسف عليه السلام تعبيرا عن صموده أمام الضغوط: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وأبرزت الزعفراني أن رفض السلطان التنازل عن العرش أدى إلى نفيه مع أسرته الشريفة إلى كورسيكا ثم مدغشقر، في الفترة الممتدة من 20 غشت 1953 إلى 16 نونبر 1955، أشعل المنفى شرارة ثورة الملك والشعب، حيث تحرك المغاربة بكل فئاتهم للضغط على السلطات الفرنسية لاستعادة سلطانهم الشرعي، واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن هذه الوقائع التاريخية تجسد النموذج الأعلى للوفاء بالوطن والتمسك بالكرامة، وأن دراسة هذه المراحل التاريخية ضرورة لفهم مقومات المقاومة المغربية وصياغة الوعي الوطني لدى الأجيال الصاعدة.

جريدة الاخبار 24 % - المقاومة والتحرير قراءة تاريخية في ذاكرة الوطناستحضار الماضي لبناء وعي المستقبل
اختتمت الندوة باستحضار الذاكرة التاريخية للاحتفاء بالماضي، لتشكيل وعي راسخ للأجيال الصاعدة، فقد جسدت الندوة محطات المقاومة والتحرير، من انتفاضة قبائل أيت باعمران إلى المسيرة الخضراء، اسست نموذجا للتماسك الوطني والتضحيات لاستقلال المغرب ووحدته الترابية، شكل التاريخ الوطني إطارا لفهم حاضر الدولة واستشراف مستقبلها، حيث تظل قيم الصمود والشجاعة والوفاء للوطن مرجعية في التربية الوطنية وبناء المواطنة الفاعلة، وفي ختام فعاليات هذا الموعد العلمي والفكري، خرج الحضور برؤى متجددة حول أهمية ربط الماضي بالحاضر، وإدماج دروس الكفاح الوطني في النسيج التربوي والثقافي، كما ركزت الندوة على أهمية البحث والتحليل التاريخي في ترسيخ الهوية المغربية، مسلطة الضوء على معاني النضال والمقاومة التي تجاوزت حدود ميادين القتال، لتشكل مؤسسات وقيما أساسية حافظت على الدولة المغربية، وقد تحول اللقاء إلى منصة لإحياء الذاكرة الوطنية، وضمان توارثها للأجيال القادمة كمرجعية حيوية لمواجهة تحديات المستقبل وبناء وطن متماسك ومستقر.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×