بوبكر سبيك العوامل المساهمة في تقليل الجرائم وترسيخ السلوك الإيجابي 

Dec 16, 2025 /

بوبكر سبيك العوامل المساهمة

خلال اللقاء التواصلي الذي نظمه المجلس العلمي الأعلى وخبراء في التنمية يوم الأحد بمقر المجلس الرباط حول “مشروع خطة تسديد التبليغ”، أفاد بوبكر سبيك، المراقب العام للشرطة والناطق الرسمي للمديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في مداخلتة، السؤال الذي يبرز بوضوح أمام المتتبع العادي : ما هي الأسباب وراء انخفاض معدلات الجريمة خلال شهر رمضان؟ وهل يرتبط هذا الانخفاض بمظاهر التدين، أم هناك عوامل أخرى تلعب دورا في ذلك؟ قد يعتقد البعض أن تراجع الجريمة في هذا الشهر يعود إلى وقف بيع المشروبات الكحولية، ومع ذلك، لا يمكن تعميم هذا التفسير على جميع أنواع الجرائم، إذ أن المشروبات الكحولية، على الرغم من كونها عاملا مؤثرا في مجموعة من الحوادث منها: المرورية وبعض الاعتداءات الجسدية، إلا أنها ليست المسؤولة عن دوافع الجرائم الأخرى.

انخفاض الجرائم خلال رمضان وأثر العبادة
ويمكن إرجاع هذا الانخفاض لعاملين اثنين: أحدهما نظامي يرتبط ببروتوكولات الأمن التي تفرضها مصالح الشرطة لتأمين هذا الشهر الفضيل، والثاني روحاني له علاقة مباشرة بالعبادة والتدين، فانصراف الناس إلى العبادات، وتزايد مجالس الوعظ، ينعكس بشكل إيجابي على سلوكيات الأفراد تهذيبا وتقويما، وهو ما يتجسم واقعيا في ممارسات أقل عنفا وأكثر تسامحا، أما بخصوص الشق الثاني : مرتبط بالجرائم المرتكبة داخل أماكن العبادات وفي محيطها، فقد عالجت مصالح الأمن الوطني 160 قضية خلال سنة 2024، تتوزع على الشكل التالي: ثلاث قضايا تتعلق بمؤسسات التعليم العتيق، وعشر قضايا في الأضرحة والزوايا، و144 قضية في محيط المساجد، وثلاث قضايا في أماكن عبادة النصارى الكنائس،وإذا كانت مؤشرات الانخفاض في الجريمة في هذه الأماكن، إلا أن المعطى الأكثر أهمية هو أن أغلب القضايا المسجلة لا تخرج عن نطاق التسول أو العنف اللفظي والجسدي، مع انتقاء الجرائم الخطيرة التي تهدد الأمن باستثناء حالات بعض المختلين عقليا الذين يرتكبون أفعالا عرضية ضد المصلين، ويعزى هذا التراجع إلى أن أماكن العبادات تكون محصنة أساسا بخطاب دعوي يهذب النفس ويقومها، وتنتقي فيها الدوافع المغذية للجنوح والانحراف، لكن هذا لا يعني انعدام الجريمة في الأماكن والمناسبات الدينية، بدليل توقيف مواطن مغربي يعتنق الديانة اليهودية متلبسا بجرائم خطيرة في عيد كيبور، وتزايد حالات الإدمان ليلا في شهر رمضان، والشعوذة خلال عاشوراء…الخ.

عوامل الأمن وتراجع الجريمة
يمكن تفسير هذا الانخفاض لسببين رئيسيين: الأول يتعلق بالترتيبات الأمنية التي تعتمدها الشرطة لضمان سلامة هذا الشهر المبارك، والثاني يرتبط بالجانب الروحي الذي يرتبط بالعبادة والتدين، فإقبال الناس على العبادات وزيادة عدد مجالس الوعظ يساهمان في تحسين سلوك الأفراد، مما يؤدي إلى الممارسات أقل عنفا وأكثر تسامحا.

دور العلماء في مواجهة التطرف
لا يمكن إنكار الأهمية الكبيرة التي يلعبها العلماء في مكافحة التطرف وتعزيز مناعة الشباب ضد محاولات الاستقطاب من الجماعات الإرهابية، التي تسعى لتوسيع قاعدة أتباعها، فهذه الجماعات تعتمد على تجنيد الأفراد المندفعين نحو الموت ضمن ما يعرف بالجبهات الجهادية، إن مواجهة الفكر الضال يتطلب تقديم فكر قويم، وتصحيح مظاهر الغلو والتعصب ونشر تعاليم الدين الصحيحة التي تدعو إلى التسامح والاعتدال، تعتبر الحاجة إلى مساهمة العلماء اليوم وأكثر إلحاحا نظرا للمخاطر المتزايدة التي تهدد الأسرة والمجتمع المغربي، فقد أكدت مصالح الأمن على ظاهرة الاستقطاب الأسري، حيث يستغل بعض الأفراد سلطتهم، على الأزواج أو الآباء لتجنيد أفراد أسرهم كما حدث في خلية الأشقاء الثلاثة في حد السوالم، كذلك، هناك خطر تجنيد الأطفال القاصرين، كما شهدنا في خلية “طوليدو” التي تم تفكيكها مؤخرا، حيث تم اعتقال قاصر مغربي يبلغ من العمر 14 سنة كان مستعدا لتنفيذ أعمال إرهابية بعد تلقيه تجنيدا بسيطا عبر الانترنيت، والإشارة يمكن إعادة هيكلة الحقل الديني، خاصة ما يتعلق بتقنين أماكن العبادة ومأسسة الفتوى، والتي تساهم بشكل كبير في تقليص منابع الاستقطاب المباشر، هذا الأمر أجبر التنظيمات الإرهابية على البحث عن بدائل جديدة، منها، التطرف السريع عبر الشبكات الاجتماعية، قبل سنة 2004، كانت هذه التنظيمات تعتمد على قاعات الصلاة غير المنظمة وتجمعات الدعوة كمراكز للاستقطاب، فهذه العملية كانت تمر بأربع مراحل:
1 – التصفية : اختيار الأفراد الذين تظهر عليهم علامات التطرف.
2 – التربية : تلقين الأفكار المتطرفة.
3 – الإعداد : التحضير المادي والنفسي للعمليات الإرهابية.
4 – الجهاد : الاستعداد للقيام بالأعمال العدائية.
هذه الديناميكيات تبدي الحاجة الملحة لدور العلماء في مواجهة التحديات الراهنة.

نجاح برنامج المصالحة في مواجهة التطرف
فمنذ سنة 2004، بدأ استقطاب المتطرفين يتقلص بفضل الإصلاحات التي أُدخلت في إطار ورشة إعادة هيكلة الحقل الديني، هذا التغيير دفع التنظيمات الإرهابية للبحث عن وسائل جديدة للاستقطاب عبر الإنترنت، وهو ما تصدت له الأجهزة الأمنية، حيث تم اعتقال أكثر من 600 متطرف من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين كانوا يخططون لتنفيذ عمليات إرهابية بأسلوب الذئاب المنفردة، كما لعب العلماء دورا مهما في برنامج المصالحة داخل السجون، لتفكيك الأفكار المتطرفة لدى الأفراد الذين شاركوا في التخطيط لعمليات إرهابية، إلا أن هذا البرنامج حقق نجاح ملحوظ، شارك فيه حوالي 310 معتقلين في قضايا الإرهاب، حيث أُفرج عن 177 منهم بفضل العفو الملكي، وتم تخفيض عقوبات 39 آخرين، وقد أظهر المشاركون استعدادهم لتغيير معتقداتهم المتطرفة، حيث تقدم البعض بطلبات لاستكمال دراستهم، ومشاركة آخرين في أنشطة داخل السجن، فعلى المستوى الاجتماعي، تمكن العديد من الاستفادة من برنامج المصالحة وإعادة الادماج في المجتمع وأماكن العمل، حيث أسس بعضهم مشاريع خاصة، بينما استأنف آخرون أنشطتهم المهنية، الأهم من ذلك، هو عدم تسجيل أي حالات عودة إلى الإرهاب بين هؤلاء المعتقلين.

شمولية خطة تسديد التبليغ في مواجهة التطرف
إن نجاح خطة تسديد التبليغ يعتمد بشكل كبير على شموليتها لجميع فئات المجتمع، بما في ذلك التلاميذ والمعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب، في هذا السياق، يمكن اقتراح إعداد حقيبة بيداغوجية خاصة بهذه الخطة موجهة للناشئة التعليمية،  كتلك التي تستخدمها أجهزة الأمن في حملاتها التوعوية بالمدارس، يمكن إثراء هذه الحقيبة بمساهمات من العلماء، تتناول مواضيع تقييم السلوك المناسبة لخصوصية الفئة المستهدفة، على أن يقدمها الوعاظ الشباب بلغة بسيطة وواضحة، من ناحية أخرى، يمثل إعادة إدماج المعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب تحديا كبيرا، حيث يبلغ عددهم حوالي 3067 معتقلا، من بينهم 168 مقاتلا سابقا في سوريا والعراق، هؤلاء يحتاجون إلى مبادرات تصحيحية تدعمهم وتساعدهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع، خاصة  تسجيل حالات عودة إلى النشاط الإرهابي، كما حدث مع المتورط الرئيسي في جريمة “إمليل” الإرهابية، وايضا يبقى إشكال آخر متعلق بالجيل الجديد من المقاتلين المغاربة القاصرين، المعروفين بأشبال الخلافة، والذين يبلغ عددهم 382 قاصرا معتقلين حاليا في سوريا بعد تدريبهم على تنفيذ عمليات إرهابية، فالتعامل مع هذه الفئة يتطلب استراتيجيات تصحيحية مشابهة لتلك المعتمدة في برنامج المصالحة داخل السجون. لذا، يمكن اقتراح فتح خطة تسديد التبليغ لتشمل هؤلاء المعتقلين السابقين، بالإضافة إلى النساء والأطفال العائدين من مناطق النزاع، بهدف تصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة وتعليمهم مبادئ الإسلام السمحة التي يتبناها المغاربة كمرتكز لحياتهم.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×