لماذا تصنع الجزائر الجماعات الإرهابية واحتوائها في الظل؟

Mar 09, 2026 /

لماذا تصنع الجزائر الجماعات الإرهابية؟

مليكة بوخاري

تبرز معطيات جديدة وسط دوامة العنف المتصاعدة التي تضرب منطقة الساحل الإفريقي، تكشف بعض الروايات التقليدية عن أدوار خفية تعيد رسم ملامح الخطر الحقيقي في الصحراء ، فعلى عكس الصورة المتداولة التي تروج لها الجزائر كفاعل إقليمي ملتزم بمحاربة الإرهاب، حيث صدر تقرير استقصائي حديث لصحيفة “ساحل إنتليجنس”، عن سردية مغايرة بل صادمة تورط المؤسسة العسكرية الجزائرية بلعب دور مباشر في تغذية الفوضى الأمنية في مالي، النيجر وبوركينا فاسو، إلى جانب دول أخرى مجاورة، وتطرح هذه المعطيات تساؤلات جوهرية: هل يتعلق الأمر بفشل أمني تقليدي؟ أم أننا أمام سياسة ممنهجة تستثمر في حالة عدم الاستقرار كأداة استراتيجية، للنفوذ الإقليمي ولو على حساب أمن الجوار ووحدة المنطقة؟

المناطق الرمادية خريطة الفوضى
يستند التقرير إلى شهادات من مصادر أمنية جزائرية سابقة، ووثائق مسربة، تكشف عن وجود دعم غير مباشر وأحيانا مباشر يقدمه النظام العسكري الجزائري لجماعات إرهابية تنشط في منطقة الساحل. ولا يقتصر هذا الدور بحسب المعطيات، على غض الطرف أو التواطؤ الصامت، بل يمتد ليشمل تقديم دعم لوجستيكي ومعلوماتي عبر قنوات غير رسمية، كما يسلط التقرير الضوء على واحدة من أبرز النقاط بما يعرف داخل أجهزة الدرك الجزائري “بالمناطق الرمادية” جنوب البلاد، لاسيما المحاذية للحدود مع مالي والنيجر، وتشير الوثائق أن هذه الرقع الجغرافية تترك عمدا خارج نطاق الرقابة الصارمة، وتستخدم كممرات عبور ومخابئ مؤقتة للجماعات المسلحة، تحت ما تصفه الوثائق “بالمراقبة المتسامحة”، وتعد صيغة بوجود تساهل محسوب في التعامل مع أنشطة هذه الجماعات، كما تثير هذه الممارسات تساؤلات جوهرية حول حقيقة الدور الجزائري في أمن المنطقة: هل يتعلق الأمر بدولة تسعى لحماية حدودها وتأمين استقرار جوارها، أم بوسيط خفي يتقن إدارة الصراع بالوكالة، ويستثمر في استمراره بما يخدم مصالح استراتيجية أبعد من مجرد تأمين الأراضي؟

استراتيجية الهيمنة عبر الفوضى
لا يمكن فصل المعطيات الواردة في تقرير “ساحل إنتليجنس” عن السياق السياسي الذي يتحكم في سلوك النظام العسكري الجزائري، إذ تتجاوز مسألة التقصير الأمني أو التهاون الميداني، للكشف عن استراتيجية ممنهجة ذات أبعاد إقليمية ودولية، تهدف لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية ومترابطة:
1_ إضعاف الحكومات المجاورة، حيث تنظر الجزائر إلى أي توجه لدول الساحل للاستقلال الفعلي في القرار السياسي والاقتصادي، على أنه تهديد مباشر لنفوذها التاريخي في المنطقة، ومن هذا المنطلق، تسعى إلى إبقاء هذه الدول في حالة دائمة من الهشاشة والارتهان الأمني، تمنعها من التحول إلى شركاء متكافئين أو أطراف إقليمية منافسة، ففي الوقت الذي تبذل فيه مالي والنيجر وبوركينا فاسو جهودا للتحرر من الهيمنة التقليدية وبناء مشاريع تنموية مستقلة، تجد نفسها في مواجهة دائمة مع خطر الإرهاب، الذي يعيدها إلى مربع الأزمة ويجبرها على أولوية الأمن على حساب التنمية.
2_ إدارة الفوضى بما يخدم الداخل الجزائري، إذ يوفر التحكم في منسوب التهديد الأمني على الحدود الجنوبية للجزائر أداة فعالة لتكريس السلطة داخليا، ليسمح للمؤسسة العسكرية بتبرير استمرار قبضتها على الحكم، وتوسيع الإنفاق الدفاعي، وإسكات أي مطالب إصلاحية أو حراك سياسي بالحديث عن الإرهاب، تحت ذريعة الحفاظ على “الاستقرار الوطني”، نهج شائع لدى الأنظمة السلطوية التي تنتج الأعداء وتستثمر في الخوف من المجهول كوسيلة لضمان بقائها.
3_ تقويض أي تكتل إقليمي بديل، لا سيما بعد بروز تحالف “دول الساحل الثلاثة”، الذي تسعى من خلاله مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى بلورة إطار جديد للتعاون الأمني والتنمية بمعزل عن الهيمنة الجزائرية، ووفق التقرير، ينظر النظام الجزائري إلى هذا التحالف على أنه تهديد مباشر لمجاله الحيوي، وقد يؤدي إلى تحالفات موازية تهمش دوره أو تعيد توزيع النفوذ في المنطقة بطريقة لا تخدم مصالحه الاستراتيجية.

الجزائر بين الخطاب والواقع الأمني
يبرز التناقض الواضح بين الخطاب الرسمي للجزائر وسلوكها الفعلي على الأرض، حيث تسوق نفسها دوليا كشريك رئيسي وموثوق في “مكافحة الإرهاب”، وتشارك بنشاط في المبادرات الإفريقية والدولية المعنية بالأمن الإقليمي، إلا أن الواقع الميداني يكشف صورة مختلفة تماما، إذ تنشط جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و”داعش في الصحراء الكبرى” بحرية نسبية في مناطق متاخمة للحدود الجزائرية، من دون أن تواجه ضغوطا عسكرية حقيقية، وأشارت التقارير أن هذه الجماعات تستفيد من معلومات استخباراتية تساعدها على التنقل وتفادي المواجهة مع القوات الجزائرية، في المقابل، تدفع دول الساحل الثمن غاليا من تفجيرات واغتيالات ونزوح جماعي، إلى جانب تدمير للبنى التحتية وتعطيل جهود التنمية، في ظل تجاهل دولي يبدو في كثير من الأحيان من خلال الدبلوماسية الجزائرية لتسويق صورتها أمام الغرب.

الإرهاب ورقة نفوذ
يجمع عدد من المراقبين على أن النظام الجزائري تجاوز مرحلة التكيف مع التهديد الإرهابي، ليحوله إلى ورقة استراتيجية فعالة توظف لترسيخ موقعه السياسي إقليميا ودوليا، فكلما تصاعدت وتيرة الفوضى في منطقة الساحل، ارتفعت أسهم الجزائر لدى القوى الدولية بوصفها فاعلا لا غنى عنه في “إدارة الأزمة”، ينجح النظام الجزائري من خلال هذا الدور انتزاع تفاهمات تخفف من حدة الضغوط الحقوقية والسياسية المفروضة عليه، وتمنحه هامشا أوسع للمناورة في ملفات داخلية وخارجية شائكة، لقد غادر الإرهاب موقعه كخطر طارئ ليصبح، في نظر البعض، أداة تفاوض مدروسة وورقة ضغط متعددة الاستخدامات، بل هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرا إياه صناعة أمنية مدارة بعناية داخل كواليس السلطة.

الفوضى المقصودة
لا يمكن التعاطي مع ما كشفه تقرير “ساحل إنتليجنس” على أنه مجرد وثائق مسربة أو مادة استقصائية مثيرة، بل هو ناقوس خطر يستدعي مراجعة جذرية لمقاربات الأمن الإقليمي في منطقة الساحل، فالمعطيات تسلط الضوء على تواطؤ محتمل أو على الأقل تغاض منهجي من طرف النظام العسكري الجزائري تجاه الجماعات الإرهابية، وتثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأدوار التي تلعبها بعض القوى الإقليمية تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، ما يطرحه التقرير يتجاوز الإدانة الأخلاقية إلى ضرورة التفكيك الاستراتيجي لسردية طالما روج النظام الجزائري لنفسه كشريك يعول عليه في حفظ أمن الساحل، إذ تكشف الوقائع المتتالية عن نمط معقد من إدارة التهديدات، حيث تتحول الجماعات الإرهابية من عدو خارجي إلى ورقة داخلية تستخدم لتبرير التمديد السلطوي، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي، وعرقلة أية محاولات لبناء تكتلات إقليمية بديلة.

صمت يرعى الفوضى
يستمر هذا الدور الرمادي في ظل صمت دولي مطبق، لا يخلو من أبعاد سياسية ومصالح متقاطعة.، فحين يُسمح لبعض الأنظمة بالإفلات من المحاسبة مقابل أدوار أمنية مزعومة، يتحول الإرهاب من تهديد يراد اجتثاثه إلى أداة يراد ضبطها وتوجيهها، وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لا في من يفجر، بل في من يغض الطرف، لا في من يهدد الحدود، بل في من يتحكم في خرائط التهديد ويعيد إنتاجها عند الحاجة، ولن يكون السؤال الأهم عن نوع السلاح المستخدم، ولا عن مصادر تمويل الجماعات المتطرفة، بل عن النظام الذي يدير هذا الخطر من وراء الستار، ويراه أصلح للبقاء من القضاء عليه، فتلك هي معضلة الساحل الحقيقية: أمن معلّق على توازن هش بين فوضى مدارة واستقرار مستحيل.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×