أمريكا تعيد تقييم الجزائر بين الساحل والصحراء

Jan 30, 2026 /

أمريكا تعيد تقييم الجزائر بين الساحل

الأخبار 24: مليكة بوخاري

كشفت المعطيات التي نشرتها مجلة جون أفريك عن طبيعة الخطاب الرسمي للعلاقات الجزائرية الأمريكية، واصفة إياه بأنه متين وفي أحسن الأحوال، غير أن الواقع يجسد تحول في ديناميات هذه الشراكة الاستراتيجية، إذ لم تعد كما كانت في السابق، بل تمر بمرحلة فتور واضحة وتراجع للدور الجزائري في ملفات إقليمية أساسية، وعلى رأسها ملفات الساحل والصحراء.

الجزائر خارج الأولوية الأمريكية
استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في 27 يوليوز 2025، مستشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، ضمن جولة شملت عدة دول مغاربية، جرى هذا اللقاء ضمن بروتوكول دبلوماسي معتاد، أكدت الجزائر من خلال تصريحاتها الرسمية على متانة العلاقات الثنائية بين الجزائر والولايات المتحدة، مسلطة الضوء على استمرار القنوات التواصلية بين الطرفين، رغم التغيرات الإقليمية والدولية التي شهدتها المنطقة، غير أن تحليل مجلة “جون أفريك” اعتبرت أن اللقاء كان بروتوكوليا أكثر من كونه استراتيجيا، في وقت لم تعد الجزائر تحظى بنفس الأولوية لدى واشنطن كما كانت في السابق، طالما اعتبرتها لاعبا محوريا في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، خصوصا بمنطقة الساحل، يجسد هذا التقييم تراجع الدور الجزائري في ملفات كانت تشكل ركائز الشراكة الثنائية، مما يضعها أمام تحد مزدوج: للحفاظ على صورة الشريك الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة، لمواجهة محدودية النفوذ المتاحة لها في منطقة تشهد صعود قوى إقليمية ودولية جديدة.

تراجع الجزائر واعادة ترتيب أولوياتها
قلصت التطورات الأخيرة، من الانقلابات العسكرية ببعض دول المنطقة لتمدد النفوذ الروسي والتركي، من هامش المناورة التقليدية للجزائر، بينما ارتفعت مكانة قوى إقليمية أخرى، وعلى رأسها المغرب، في صياغة موازين القوة الإقليمية، فقد أعاد هذا التحول رسم خريطة الأولويات الأمريكية في المنطقة، حيث بدأت واشنطن تراجع علاقاتها مع الفاعلين التقليديين وتعيد تقييم الدور الذي تلعبه الجزائر في الملفات الحيوية كالساحل والصحراء، ما يتطلب تغيرا واضحا في موقع الجزائر الاستراتيجي مقارنة بالماضي القريب، وتشير المجلة إلى أن الدبلوماسية الجزائرية فقدت جزءا كبيرا من وزنها وتأثيرها بملفات الساحل والشرق الأوسط، ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها ضمن استراتيجيتها الإفريقية، والتركيز على قضايا جيوسياسية أكثر إلحاحا، منها التنافس مع الصين، الحرب بأوكرانيا، للحد من النفوذ الروسي بإفريقيا، أصبح من الضروري على الجزائر إعادة النظر في أدواتها الدبلوماسية واستراتيجياتها الإقليمية، لتتمكن من التكيف مع التحولات المتسارعة في موازين القوى، واستعادة هامش المناورة الذي فقدته أمام المنافسة الإقليمية والدولية المتزايدة.

تراجع العلاقات الاقتصادية الثنائية
قد يظل الحديث عن شراكة “متينة”، إلا أن حجم المبادلات التجارية بين الجزائر والولايات المتحدة، محدودة ومتراجعة مقارنة بالعقد الماضي، مما يبرز فجوة واضحة بين الطموح السياسي والواقع الاقتصادي، لم ترتق العلاقة الاقتصادية بعد إلى مستوى التطلعات الجزائرية، ولم تتحول إلى شراكات استثمارية استراتيجية أو مشاريع تنموية كبرى تمكن حضور الجزائر في السوق الأمريكية، أو مضاعفة تأثيرها على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويشير هذا الواقع إلى قصور في الاستفادة من موقع الجزائر كدولة غنية بالموارد الطبيعية، مما يطرح تساؤلات حول مدى القدرة الاستراتيجية الاقتصادية الحالية على استثمار العلاقات السياسية لتوسيع النفوذ الاقتصادي لمواجهة التحولات العالمية في أسواق الطاقة، وما يزيد الوضع تعقيدا توجه الولايات المتحدة لبدائل طاقية جديدة وشركاء متنوعين، ما يقلص من الحصة السوقية للجزائر ويحد من قدرتها على استثمار مواردها التقليدية، خصوصا الغاز والنفط، كأدوات لنفوذها الاقتصادي، يبدو في هذا السياق، أن الشراكة الاقتصادية بين الجزائر وواشنطن بحاجة إلى إعادة صياغة استراتيجية، تشمل تنويع التبادلات، واستكشاف مجالات استثمارية جديدة، وبناء آليات تعاون مبتكرة، تمكن الجزائر من المحافظة على دورها في المنظومة الاقتصادية الإقليمية، وتمنحها هامشا أكبر في مواجهة التحولات العالمية بقطاع الطاقة والأسواق الدولية.

ملف الصحراء المغربية والعلاقات الأمريكية
يبقى ملف الصحراء المغربية، إلى جانب قضايا الأمن والاقتصاد، أحد أبرز نقاط التوتر غير المعلنة بين الجزائر والولايات المتحدة، منذ اعتراف واشنطن، في عهد إدارة ترامب، بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، لتجد الجزائر نفسها في موقف دفاعي استراتيجي، محاولة التأثير على السياسة الأمريكية لإعادة النظر في هذا القرار، إلا أن محاولاتها لم تسفر عن أي اختراق ملموس، يجسد هذا الواقع تراجع النفوذ الجزائري في ملف كان تاريخيا محوريا لعلاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة، ما يؤكد محدودية أدوات الضغط المتاحة لها في مواجهة التحولات السياسة الخارجية الأمريكية، ويشير تحليل “جون أفريك” على ضوء هذه التطورات إلى أن العلاقات الجزائرية الأمريكية تمر اليوم بمرحلة إعادة تقييم شاملة من جانب واشنطن، التي أعادت ترتيب أولوياتها الاستراتيجية لتركز على ملفات أخرى أكثر حساسية على الصعيد الدولي، كالتنافس مع الصين، النزاع في أوكرانيا، والحد من النفوذ الروسي في إفريقيا، وقد أصبح للجزائر في هذا السياق، هامش محدود في لعبة النفوذ الإقليمي المتغير، ما يستوجب منها تطوير استراتيجيات أكثر مرونة وواقعية لضمان الحفاظ على دورها في القضايا الحيوية كالأمن الإقليمي والملفات الاقتصادية في الساحل والصحراء، لمواجهة معادلات جيوسياسية جديدة لا يمكن تجاهلها.

الجزائر بين الطموح والواقع
يظل الخطاب الرسمي الجزائري محاديا بمفهوم الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، معتمدا على لغة دبلوماسية تؤكد على متانة العلاقات التاريخية وأهمية التنسيق في الملفات الإقليمية والأمنية، غير أن هذا الالتزام الرسمي لا يتماشى مع الواقع على الأرض، حيث يشير السياق الدولي والإقليمي إلى تراجع واضح في نفوذ الجزائر مقارنة بالماضي، خصوصا في ظل تصاعد دور قوى إقليمية أخرى كالمغرب، لطالما كانت الجزائر لاعبا رئيسيا في مناطق الساحل والصحراء، إلا أن امتداد نفوذ قوى دولية كروسيا وتركيا قلص من سيطرتها التقليدية على هذه الملفات، أبرز هذا التباين بين الطموح الرسمي والواقع الميداني محدودية الخيارات المتاحة لها، وجعلها تواجه تحديا مزدوجا: الحفاظ على مكانتها كشريك استراتيجي، وفي الوقت نفسه التكيف مع التحولات الجيوسياسية التي تقلص من وزنها التقليدي في المنطقة، وقد باتت الجزائر على ضوء هذه المعطيات، مضطرة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الخارجية، ليس على مستوى العلاقات الثنائية مع واشنطن، بل أيضا على صعيد توازناتها الإقليمية وقدرتها على التأثير في قضايا الأمن والاقتصاد بمنطقة الساحل والصحراء، ويتطلب ذلك ترسيخ أدواتها الدبلوماسية وتطوير نهج أكثر مرونة واستشرافا، ليمكنها من الحفاظ على دورها المحوري في الملفات الحيوية، والانتباه إلى التحولات العالمية التي تتجه لإعادة رسم أولويات القوى الكبرى، ما يجعل من ضرورة الموازنة بين الطموح الرسمي والقدرة الواقعية على التأثير أمرا حاسما لاستقرار مكانة الجزائر في المشهد الإقليمي والدولي.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×