الثورة الهادئة كيف أصبح علم النفس الصحي؟
قدمت الأخصائية النفسية خديجة أووجيل نبدة حول علم النفس الصحي، موضحة أهدافه، ومجالات تدخله، ودوره الحيوي في الوقاية والعلاج من الأمراض النفسية والجسدية، وقد برز علم النفس الصحي نهاية السبعينيات حين قدم الطبيب النفسي Angel سنة 1977 مقاربته الشهيرة القائمة على التفاعل بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، تبنت الجمعية الأمريكية للطب النفسي هذا التصور بعد سنتين بشكل رسمي، ليصبح مرجعا علميا يوسع الفهم للصحة ويتجاوز النظرة الضيقة التي تربطها بالجسد وحده، ويقوم علم النفس الصحي على رؤية شمولية تعتبر الإنسان كيانا معقدا يتأثر بتداخل أربعة أبعاد رئيسية:
1_ البعد الجسدي المرتبط بالعوامل البيولوجية والوظيفية.
2_ البعد النفسي بما يتراوح بين الانفعالات والأفكار والقناعات والتجارب الذاتية.
3_ البعد الاجتماعي الذي يشمل السياقات السوسيولوجية والثقافية وأنماط العيش.
4_ البعد الروحاني بما يحمله من قيم ومعتقدات تؤثر في التوازن الداخلي والصحة العامة.
وقد أكدت الدراسات الحديثة أن هذه الأبعاد المجتمعة تشكل ركائز الصحة الشاملة، ورؤية تنسجم مع تعريف منظمة الصحة العالمية التي تعتبر الصحة “حالة من الرفاه الجسدي والنفسي والاجتماعي، لا مجرد غياب المرض أو العجز”.
الشخصية والسلوك مفاتيح خفية بصحة الإنسان
يتفرع علم النفس الصحي إلى مجالات بحثية متعددة، من أبرزها الدراسات الوبائية والبيوطبية والدراسات النفسية–السوماتية، كشفت الأبحاث عن الروابط العميقة بين بعض الأمراض الجسدية والجذور النفسية الكامنة خلفها، وتبدي المعطيات العلمية أن الاضطرابات منها: الأمراض التنفسية والهضمية والجلدية، إضافة إلى أمراض القلب والشرايين، قد ترتبط بطبيعة الشخصية وأنماط السلوك التي يتبناها الفرد، ما يجعل البعد النفسي عنصرا حاسما في الصحة العامة، وفي هذا السياق، قدم Freedman وRosenman—هما من أبرز المتخصصين في أمراض القلب—تصنيفا لعدد من الأنماط الشخصية التي ترتبط بمخاطر صحية واضحة:
_* الشخصية A: شخصية تتسم بالتوتر والاندفاع وقلة الصبر والعدوانية، مع ميل دائم للمنافسة ووضع أهداف تفوق الإمكانيات، ما يؤدي الى إرهاق الجهاز القلبي والشرياني ويضعه تحت ضغط متواصل.
_* الشخصية C: شخصية شديدة الهدوء، تميل إلى كبت المشاعر وعدم المواجهة، وتعاني من ضعف تقدير الذات والنظرة المتشائمة، عوامل تجعلها عرضة للإصابة بالسرطان، لا قدر الله.
_* الشخصية D: شخصية تتبنى سلوكيات عالية الخطورة، كالتدخين التغذية الغير متوازنة، تغلب عليها الانفعالات السلبية والقلق والانطواء، ما يجعلها أكثر عرضة للربو وارتفاع الضغط والصداع النفسي وقرحة المعدة واضطرابات الجهاز العصبي المستقل، وقد أثبتت دراسات علم النفس الصحي أن هذه الأنماط ليست ثابتة أو معزولة، بل تتأثر بعوامل متعددة تشمل الوراثة، والبيئة الأسرية، والتجربة الذاتية، والمدرسة، والإعلام، والتكنولوجيا، والعلاقات الاجتماعية، ما يؤكد أن الصحة النفسية والشخصية وجهان لعملة واحدة، يرتبط كل منهما بالآخر في علاقة تأثير لا يمكن فصلها.
علم النفس الصحي من الوقاية إلى العلاج
يعد علم النفس الصحي فرعا حديثا ومتكاملا، يجمع بين الجانب النظري والتطبيقي والإكلينيكي، ويشكل ثورة علمية داخل الحقل السيكولوجي، يركز هذا التخصص على الفرد والمجتمع في مختلف الظروف، سواء في حالات الصحة السوية أو عند مواجهة الاضطرابات النفسية، كما يقدم تدخلات استباقية ووقائية من أجل تعزيز قدرات الفرد ومهاراته للحفاظ على توازنه وجودة حياته، لذلك أصبح التكفل النفسي، والمرافقة، والدعم النفسي من الضرورات الملحة في عصرنا المعاصر، يعتمد الأخصائي والمعالج النفسي في عمله على تقنيات علاجية متنوعة مستمدة من نظريات سيكولوجية متعددة، من أبرزها:
1_ العلاج المعرفي السلوكي (CBT): يهدف إلى تعديل الأفكار السلبية والتشوهات المعرفية.
2_ العلاج الجدلي السلوكي (DBT): يعزز مهارات إدارة العواطف وتحسين العلاقات وتنمية التقبل.
3_ العلاج بالقبول والالتزام (ACT): يقوم على تقبل الأفكار المؤلمة بدلا من مقاومتها.
4_ العلاج باللعب للأطفال (Play Therapy): باستخدام الألعاب والرسومات والقصص المصورة للتعبير عن المشاعر.
5_ تقنيات الاسترخاء وإدارة الضغوط: تشمل التنفس العميق وتمارين التخيل الموجه.
6_ إعادة معالجة الصدمات عبر حركة العين (EMDR)” Eye Movement Desensitization and Reprocessing” : تقنية متقدمة لمعالجة الصدمات النفسية.
7_ العلاج الأسري والزواجي: يهدف إلى تحسين التواصل وتجسيد الدعم المتبادل وحل النزاعات بين الزوجين، يتمثل الهدف الأساسي للعلاج النفسي في تحقيق مجموعة من الغايات المهمة:
_ تحقيق التوازن الصحي الشامل.
_ تخفيف المعاناة باستخدام استراتيجيات وتقنيات مثبتة علميا.
_ تعزيز المرونة النفسية.
_ تقوية مهارات إدارة الضغوط.
_ تنمية الوعي الذاتي.
_التركيز على الوقاية قبل العلاج، للوصول إلى الانسجام والتناغم وجودة الحياة.













