الذكرى 69 لتأسيس الأمن الوطني
حكيمة القرقوري
في ظل تصاعد التحديات الأمنية المعقدة، لم يعد التعاطي التقليدي مع الجريمة كافيا، لذلك، اختار جهاز الأمن الوطني مقاربة أكثر شمولية واستباقية، تعتمد على تطوير القدرات المؤسساتية، والانخراط العميق في الرقمنة، وتكريس فلسفة “الأمن المواطن”، هذا التحول لم يكن شكليا أو محدود النطاق، بل اتخذ طابعا استراتيجيا يعكس إرادة تحديث بنيوية مستدامة.
الأمن الاستباقي من رد الفعل إلى المبادرة
أضحى الرهان اليوم على الحضور الميداني الفعال، ويقظة أمنية دائمة، مدعومة بمنظومات لوجيستيكية وتقنية متطورة، فيما يشكل الاستثمار في العنصر البشري بتكوينه وتطويره محورا أساسيا لهذا التحول، أصبح التحول نحو “أمن ذكي” العنوان الأبرز، حيث يجمع بين المعرفة الأمنية الدقيقة والتكنولوجيا الحديثة، ضمن رؤية تتجاوز التصدي إلى التنبؤ والإحباط المسبق للمخاطر.
المرأة في قلب القرار الأمني
ابرز ملامح هذا التحول هو الانفتاح على الكفاءات النسائية، التي أصبحت حاضرة بقوة في مواقع المسؤولية، في مهام أثبتت فيها تميزها وكفاءتها، لم تعد مشاركة المرأة تقتصر على التمثيل الرمزي، بل أضحت مكونا بنيويا في الأداء الأمني الحديث، في انسجام تام مع رؤية مؤسسة الأمن في توسيع قاعدة الفعالية المهنية، وقد أصبح من الطبيعي نرى نساء يقدن وحدات أمنية أو يدِرن ملفات حساسة، في صورة تعكس تغير الثقافة المهنية داخل المؤسسة الأمنية.
أمن المواطن شراكة
استوعبت المديرية العامة للأمن الوطني أن الأمن لا ينتج داخل الثكنات فقط، بل في قلب المجتمع، لهذا، طورت آليات التواصل مع الفاعلين المدنيين والمؤسساتيين، معتمدة نهجا تشاركيا يجعل من المواطن شريكا في معادلة الأمن، هذا التحول يعكس فلسفة جديدة تنبني على خدمة المواطن باعتبارها غاية العمل الأمني وليس فقط وسيلته.
رقمنة في خدمة القرب
كانت سنة 2024 مفصلية في ترجمة هذه الرؤية، حيث تم إطلاق منصة “E-Police”، كبوابة رقمية تتيح للمواطنين الاستفادة من خدمات شرطية متعددة، دون الحاجة للتنقل، تندرج هذه المبادرة ضمن استراتيجية الأمن الوطني للانخراط في التحول الرقمي الوطني، بما يضمن الشفافية، وسرعة المعالجة، وحماية المعطيات الشخصية.
الهوية للجميع بلا استثناء
وقد تم تعزيز ضمن مقاربة أمن القرب، برنامج تعميم البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، باستهداف المناطق النائية عبر تعبئة ثمانين وحدة متنقلة مزودة بتقنيات حديثة، مكنت هذه العملية أكثر من 130 ألف مواطن من الولوج إلى هذا الحق، ما يؤكد إصرار المؤسسة على تقليص الفوارق المجالية وجعل الخدمة الأمنية في متناول الجميع.
بنى تحتية أمنية تواكب الامتداد الحضري
لم يكن التوسع العمراني عائقا أمام المؤسسة الأمنية، بل شكل دافعا لتعزيز الحضور الميداني من خلال إحداث تسعة عشرة بنية أمنية جديدة سنة 2024، تعكس استجابة فورية لاحتياجات التمدد السكاني، وتؤكد على نهج التفاعل مع التحولات الحضرية في إطار من التخطيط الاستراتيجي.
نحو أمن وطني بمقاييس المستقبل
يبدو جليا أن جهاز الأمن الوطني دخل مرحلة جديدة من تاريخه، لا يكتفي بالحفاظ على الأمن، بل يصنعه وفق رؤية عصرية، مرنة، وشمولية، رؤية تراهن على الإنسان والتكنولوجيا والمجتمع في آن، لصياغة أمن يستبق المخاطر ويصون الحقوق، ويجعل من الوطن فضاء آمنا للجميع.












