الزخم الدبلوماسي المغربي يعيد رسم
الأخبار 24: مليكة بوخاري
تتجدد في كل مناسبة وطنية، رسائل ملكية تعكس جوهر السياسة الخارجية للمغرب، حيث يجمع جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بين الدفاع الحازم عن الثوابت الوطنية والانفتاح على محيطه الإقليمي والدولي عبر منطق الحوار والتعاون البناء، إذ تبرز مبادرة “اليد الممدودة” للجزائر كأحد أبرز ملامح هذه السياسة، فليست شعار عابر، بل خيار استراتيجي يستند إلى قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة المغاربية لا يمكن أن يتحقق في ظل القطيعة المستمرة بين أكبر دولتين في المنطقة.
الإستقرار أم التشبث بسردية الماضي؟
ينبثق الخطاب المغربي من منطق براغماتي يجمع بين السياسة والدبلوماسية بعمق، إدراكا من المملكة أن قضية الصحراء تتجاوز كونها ملفا إقليميا لتصبح رهانا استراتيجيا يمس السيادة الوطنية والتنمية والاستقرار، لذلك لم تقتصر الرباط على الدفاع عن حقوقها التاريخية والقانونية فحسب، بل قدمت مقترح الحكم الذاتي كإطار عملي يحظى بدعم متزايد في المحافل الدولية، ولم يغلق المغرب في الوقت نفسه الباب أمام الجزائر، بل حافظ على لغة الحوار والمصالحة، مؤمن بأن أي مستقبل مغاربي مستقر لا يمكن أن يتحقق دون شراكة متوازنة بين الجارين، لتجد الجزائر اليوم نفسها في معادلة معقدة، من جهة تواجه عزلة دبلوماسية متزايدة مع تراجع الدعم الدولي لمواقفها بشأن الصحراء، لتصبح محصورة في دائرة ضيقة من الحلفاء ذوي النفوذ المحدود، ومن جهة أخرى، يصعب عليها التراجع عن خطابها المتشدد خشية فقدان الشرعية الداخلية، إذ طالما ارتبط النزاع بالهوية الوطنية والسيادة، ما يجعل النظام الجزائري أسيرا لسردية رسمية صار من الصعب تعديلها حتى في ظل واقع دولي متغير لم يعد يتماشى مع أطروحاته.
الاعتراف الأمريكي يعيد رسم المعادلة
أبدت التحولات الأخيرة في المشهد الدولي عمق الفارق بين الرؤية المغربية والموقف الجزائري، فقد شكل الدعم الأمريكي المتجدد لمغربية الصحراء، الذي انطلق مع إعلان الرئيس دونالد ترامب واستمر مع الإدارات اللاحقة، نقطة تحول مفصلية في التوازنات الجيوسياسية، لا تتعامل واشنطن لا مع الملف من زاوية دبلوماسية ضيقة، بل تنظر إليه باعتباره جزءا من معادلة أشمل تتعلق بالأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، لم يعد من هذا المنطلق الاعتراف الأمريكي مجرد موقف رمزي، بل تحول إلى ركيزة استراتيجية تؤسس لشراكات اقتصادية واستثمارات كبرى في الأقاليم الجنوبية، في الوقت ذاته، تتوسع دائرة الدول التي افتتحت قنصليات بالعيون والداخلة، تحمل دلالات سياسية وقانونية واضحة تؤكد الدعم المتزايد للموقف المغربي، هذا الزخم الدبلوماسي وضع الجزائر في موقع صعب، حيث تعمقت عزلتها الإقليمية والدولية، فيما تصر على مواصلة دعم البوليساريو، رغم انحسار حضورها على الساحة الدولية وتراجع قدرتها على التأثير، ما يجعل النظام يعرقل مسار التسوية، مقابل صورة المغرب كفاعل براغماتي يراكم المكاسب عبر سياسة واقعية ومنفتحة على التعاون.
عقدة نفسية قبل أن تكون سياسية
لا تكمن معضلة الجزائر في بعدها الدبلوماسي فحسب، بل ما يتجاوز ذلك إلى البعد النفسي والسياسي، تقرأ الجزائر أن التراجع عن مواقفها المتصلبة داخليا علامة انهزام تهدد تماسك النظام، خصوصا في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية خانقة تزيد من حساسية هذا الملف، ما يفسر إصرار الجزائر على التشبث بخطابها التقليدي، حتى وإن كان الثمن استمرار النزاع وتعطيل أي أفق للتكامل المغاربي، يواصل المغرب تبني مقاربة دبلوماسية متوازنة تمنح الجزائر فرصة لحفظ ماء الوجه، وتتفادى أي هزات قد تدفع المنطقة إلى صراعات مفتوحة. تدرك المملكة المغربية أن استقرار الجزائر مصلحة مشتركة، وأن أي انهيار داخلي ستكون له تداعيات إقليمية خطيرة، ولهذا تبقي الرباط الأبواب مفتوحة أمام أي مراجعة محتملة، ولو بدا حدوثها مستبعدا في المدى القريب، وتلوح في الأفق ملامح مرحلة جديدة: ضغوط اقتصادية متزايدة على الجزائر، تراجع الدعم الدولي للبوليساريو، مقابل زخم دبلوماسي متصاعد للمغرب، قد تمهد هذه المعطيات إعادة إطلاق مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، يكون الحكم الذاتي محورا لها، سيبقى نجاح هذا المسار رهينا بقدرة الجزائر على تجاوز عقدتها النفسية والسياسية، والانتقال من الشعارات التي فقدت بريقها إلى منطق الواقع الذي يفرضه ميزان القوى والتحولات الدولية.
بين اليد الممدودة والعزلة المتزايدة
ليست المبادرة المغربية لليد الممدودة إشارة رمزية أو تنازل سياسي، بل تعبير صريح عن ثقة متنامية في النفس ورؤية دبلوماسية تنطلق من موقع قوة، يعد المغرب فاعل إقليمي موثوق يمتلك مشروعا متماسكا لمستقبل المنطقة، ويطرح حلولا عملية تستند إلى الواقع السياسي وروح التعاون، في وقت تتعثر فيه المشاريع المغاربية بسبب خلافات مفتعلة ورهانات فقدت جدواها، تبرز القراءة الموضوعية لمسار الأحداث أن استمرار حالة الجمود لن يخدم سوى إطالة عمر الأزمة على حساب التنمية والأمن الإقليميين، باتت مكاسب المغرب على المستويين الدبلوماسي والتنموي واضحة، مقابل عزلة متزايدة للطرح الجزائري، ما يجعل خياره للمراهنة على الزمن خطأ استراتيجي قد يضاعف كلفة الخسارة للجزائر، فمهما طالت معارك الاستنزاف، يظل المستقبل مرهونا بقدرة الفاعلين على إدراك أن الحل التوافقي هو الطريق الوحيد لتأمين الاستقرار والازدهار، لا يتوقف هذا الخيار عند حدود تسوية نزاع الصحراء، بل يمتد إلى إعادة صياغة مشروع مغاربي جديد، يضع مصالح الشعوب فوق الحسابات الضيقة، ويفتح أفقا واسعا لمغرب عربي متحرر من قيود الماضي، قادر على مواجهة تحديات الحاضر والاستعداد لمعادلات المستقبل.













