الصحراء المغربية تبرز هشاشة نفوذ
تواصل جنوب إفريقيا تموقعها خارج نسق التوافق الدولي المتنامي بشأن ملف الصحراء المغربية، في وقت يشهد فيه هذا النزاع تحولات متسارعة ترسخ مقترح الحكم الذاتي باعتباره خيارا واقعيا يحظى بقدر متزايد من المصداقية والدعم الأممي. ورغم هذا المنحى الدولي المتصاعد، ما تزال بريتوريا متمسكة بخطابها الداعم للأطروحة الانفصالية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، يأتي هذا الإصرار في سياق داخلي تتنامى فيه الدعوات إلى إعادة تقييم هذا الموقف، على ضوء المتغيرات الجيوسياسية والرهانات الاستراتيجية التي تفرض قراءة أكثر براغماتية للملف، غير أن هذا الحراك الداخلي لم يترجم بعد إلى تحول ملموس في الموقف الرسمي، الذي عاد رئيس البلاد إلى تأكيد ثوابته خلال احتفالات يوم التحرير هذا الأسبوع، في رسالة تعكس استمرار الفجوة بين النقاش الداخلي والخطاب الدبلوماسي المعلن.
بريتوريا تغرد خارج الإجماع الدولي
يرى متتبعون أن هذا التشبث يجد جذوره في الخلفية الإيديولوجية للحزب الحاكم في بريتوريا، والتي ما تزال تستحضر إرثا تاريخيا مرتبطا بحركات التحرر، غير أن هذا المعطى، لا يكفي لتفسير الموقف في شموليته، إذ تحكمه كذلك اعتبارات أعمق تتصل بتوازنات النفوذ ومحددات التنافس الجيوسياسي داخل القارة الإفريقية، بات هذا الامتداد في ظل التصاعد للحضور الاقتصادي والدبلوماسي للمغرب في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، ينظر إليه في جنوب إفريقيا كعامل ضغط استراتيجي، يدفعها إلى توظيف ورقة البوليساريو في محاولة لفرملة هذا الزخم، وفي السياق ذاته، تبدو بريتوريا اليوم في موقع أقرب إلى العزلة النسبية على الساحة الدولية، خاصة مع تراجع ثقل عدد من حلفائها التقليديين الذين كانوا يتبنون الطرح الانفصالي، نتيجة أزماتهم الداخلية وتقلص أدوارهم الخارجية، أفرز هذا التحول واقعا جديدا، أصبح فيه الموقف الجنوب إفريقي أقرب إلى صوت منفرد، يردد أطروحات لم تعد تجد الصدى ذاته لدى القوى الكبرى أو داخل دوائر القرار في المؤسسات الدولية.
انقسام داخلي في جنوب إفريقيا
لم يعد الإجماع الداخلي في جنوب إفريقيا قائما حول هذا التوجه، إذ تتعالى أصوات متزايدة، بما في ذلك من داخل الحزب الحاكم، تدعو إلى مراجعة شاملة للسياسة الخارجية، لاسيما بملف الصحراء، وترى هذه الأصوات أن استمرار هذا الموقف لم يعد يفسر فقط بخلفيات إيديولوجية، بل يعكس في جوهره تنافسا اقتصاديا محتدما على النفوذ داخل القارة الإفريقية، في ظل وعي متنام بأن المغرب بات فاعلا وازنا ومنافسا مباشرا في ميادين الاستثمار وبناء الشراكات الاستراتيجية على مستوى القارة.
ضغوط داخلية وعالمية تهز موقف بريتوريا
لم يعد لهذا الموقف في ظل السياق الدولي الراهن، وزن يذكر، مع
تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية، وتزايد المؤشرات داخل عدد من الدوائر التشريعية الغربية تشديد التعاطي مع الكيانات الانفصالية، بالتوازي مع ضغوط متصاعدة للدفع نحو تسوية نهائية للنزاع يرتكز على المقترح المغربي، تخضع المقاربة الجنوب إفريقية لحزمة من المحددات المتداخلة، في مقدمتها استمرار الحزب الحاكم في استحضار أدبيات مرحلة التحرر، حيث ينظر إلى البوليساريو، ضمن تصور تقليدي، كحركة تحرر، بما يجعل أي تراجع عن دعمها يؤول داخليا كتنازل عن مرتكزات رمزية تأسيسية، حيث يبرز عامل التحالف الاستراتيجي مع الجزائر كأحد أعمدة هذا التوجه، إذ يدرج دعم الطرح الانفصالي ضمن توازنات هذا التحالف، وإضافة إلى ذلك البعد الداخلي المرتبط بتراجع شعبية الحزب الحاكم، ما يدفعه إلى التشبث بقضايا خارجية ذات حمولة رمزية تحررية، للحفاظ على رصيده المعنوي داخل قاعدته الانتخابية، في سياق سياسي يتسم بتزايد الضغوط والتحديات.
تراجع جنوب إفريقيا وصعود المغرب
يبدو دور جنوب إفريقيا على صعيد الفعل والتأثير، في ملف الصحراء المغربية قد شهد تراجعا ملحوظا، إذ انتقلت من موقع فاعل مؤثر إلى طرف يرفع صوته دون قدرة حقيقية على تغيير موازين القوى، ولم تعد بريتوريا داخل الإتحاد الإفريقي تتمتع بالوزن ذاته، لا سيما بعد عودة المغرب إلى المنظمة، ما أنهى عمليا مرحلة استغلال غيابه لتمرير مواقف مناوئة ضمن أفق جيوسياسي أوسع، يأتي استمرار هذا الموقف في إطار صراع صامت على الزعامة القارية، إذ تنظر جنوب إفريقيا إلى الحضور المغربي المتنامي باعتباره تهديدا لموقعها التقليدي، ما يفسر الإبقاء على نزاع الصحراء في حالة جمود، واستنزاف المغرب دبلوماسيا، كجزء من استراتيجية غير معلنة تهدف إلى الحد من الزخم القاري للمملكة واحتواء قدرتها على توسيع نفوذها في إفريقيا.














