الغاز الجزائري والرهانات الجيوسياسية

Apr 09, 2026 /
بقلم: مليكة بوخاري

الغاز الجزائري والرهانات الجيوسياسية

يشهد سوق الطاقة العالمي تحولات متسارعة، ترسم ملامح إعادة تشكيل موازين النفوذ، تداخل العوامل الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الطلب على الموارد الحيوية، وفي هذا الإطار، لم يعد الغاز الطبيعي سلعة اقتصادية فحسب، بل تحول تدريجيا إلى أداة ضمن ترسانة التأثير السياسي، يعاد توظيفها في سياقات تتجاوز منطق السوق لتلامس حسابات الجغرافيا السياسية، بما في ذلك محاولة التأثير في مواقف بعض العواصم الأوروبية بقضايا إقليمية حساسة، وعلى رأسها نزاع الصحراء المغربية.

الغاز والإيحاء السياسي

سعت الجزائر في ظل هذا المشهد المعقد، استثمار الظرفية الدولية لتكريس موقعها كمزود طاقي رئيسي، لا سيما بالنسبة لإسبانيا، مستفيدة من قربها الجغرافي ودرجة الاعتماد النسبي على إمداداتها الغازية، وقد حاولت تقديم نفسها كشريك موثوق لتأمين الحاجيات الطاقية في وقت تتسم فيه مصادر التزود التقليدية بتقلبات حادة، ما منحها هامشا محدودا للتأثير، ولو بشكل غير مباشر، في مواقف مدريد بملف الصحراء المغربية، تقاطعت هذه المساعي مع تقارير إعلامية إسبانية تحدثت عن حضور الجزائر في السوق الإيبيرية، ضمن استراتيجية أوسع لتوظيف الورقة الطاقية كأداة نفوذ دبلوماسي، غير أن هذه الخطة اصطدمت سريعا بتحول سياسي، تشكل في تجديد الحكومة الإسبانية لدعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ما أدخل العلاقات الثنائية في مرحلة من التوتر غير المسبوق.

الغاز والسياسة

انعكست تداعيات هذا التوتر في جملة من الإجراءات التصعيدية، تشكلت في تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، إلى جانب فرض قيود على المبادلات التجارية، غير أن الكلفة المتزايدة لهذا التصعيد، اقتصاديا ودبلوماسيا، سرعان ما دفع الطرفين إلى مراجعة حساباتهما، والبحث عن مقاربة أكثر براغماتية في تدبير العلاقة، ما يكشف حدود التعويل على ورقة الطاقة كأداة للتأثير في المواقف السياسية السيادية، وبموازاة ذلك، إبراز المؤشرات المرتبطة بالسياسة الطاقية الجزائرية بتوجه واضح لتوسيع الحضور في حوض البحر الأبيض المتوسط، عبر رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى مستويات طموحة خلال السنوات المقبلة، يستند هذا المسعى إلى انتعاش نسبي للقطاع بعد فترة من الركود، مدعوما بإطار قانوني محدث عقب اعتماد قانون المحروقات لسنة 2021، الذي يهم استقطاب الاستثمارات الأجنبية والقدرات الإنتاجية، في سياق تنافسي متصاعد على أسواق الطاقة الإقليمية.

رهانات الطاقة

فتحت الجزائر في هذا السياق، قنواتها أمام كبرى شركات الطاقة الدولية، من “شيفرون”_”إكسون موبيل”، للدخول في مفاوضات مع الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات، مستندة إلى وفرة احتياطاتها من النفط والغاز الصخريين، وإلى موقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية، غير أن هذا التوجه لم يكن بمعزل عن تحديات داخلية متزايدة، إذ وجه مشروع استغلال الغاز الصخري برفض واسع بمناطق الجنوب، لا سيما في عين صالح وتمنراست وورقلة وإليزي، بفعل المخاوف المرتبطة بتداعيات تقنيات التكسير الهيدروليكي على الموارد المائية الجوفية، وقد تطورت هذه المخاوف إلى موجات احتجاجية، ووجهت بتدخلات أمنية، في ظل تمسك السلطات بخيار المضي قدما في هذه المشاريع، رغم تصاعد الدعوات إلى تبني بدائل أكثر استدامة، وعلى رأسها الطاقات المتجددة، تندرج هذه التحركات على مستوى أوسع، ضمن مسعى لاستعادة القدرة التصديرية والحضور في الأسواق الدولية، في سياق يتقاطع فيه البعد الطاقي مع التحولات الجيوسياسية، خاصة المرتبطة بملف الصحراء المغربية، حيث يتنامى الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، انسجاما مع توجهات مجلس الأمن، ولا سيما القرار رقم 2797 الذي كرس المقترح المغربي كمرجعية أساسية للحل.

ورقة مستنزفة

اتجهت الجزائر في خضمّ الأزمة الطاقية العالمية، استثمار حالة الاضطراب الدولي، بما في ذلك تداعيات إغلاق مضيق هرمز، من أجل ترسيخ موقعها التفاوضي مع الشركاء الأوروبيين عبر توظيف الغاز كأداة ذات بعد جيوسياسي، يعكس هذا التوجه، في أحد أبعاده، تصاعد منسوب القلق إزاء تنامي الدعم الدولي للموقف المغربي، كما يمتد إلى سلسلة من القرارات ذات الدلالات السياسية، أبرزها إغلاق خط أنابيب المغرب العربي أوروبا سنة 2021، عملت الجزائر لإعادة ضبط التوازنات، على توثيق علاقاتها مع شركاء أوروبيين آخرين، في مقدمتهم إيطاليا، محاولة معادلة التحولات التي طرأت على موقفي إسبانيا وفرنسا من قضية الصحراء، غير أن هذه التحولات لم تمر دون كلفة، إذ أفضت إلى توترات دبلوماسية حادة، وألقت بظلالها على مسارات التعاون الثنائي، في سياق إقليمي ودولي تتداخل فيه اعتبارات الطاقة مع حسابات السياسة والاستراتيجية.

حدود ورقة الغاز

تفيد المعطيات المتاحة بأن توظيف ورقة الغاز لم تحقق النتائج المنتظرة، إذ لم يفض إلى إحداث تحول يذكر في مواقف العواصم الأوروبية من النزاع، وذلك على الرغم من استمرار اعتمادها النسبي على الإمدادات الجزائرية، يعكس هذا الواقع حدود فعالية أدوات الضغط الطاقي في سياق دولي يشهد تحولات متسارعة، تتجه فيه القوى الاقتصادية نحو تنويع مصادر التزود وتقليص الارتهان لمصدر واحد، تبرز هذه التحولات أن معادلة الطاقة، رغم أهميتها، لم تعد قادرة بمفردها على إعادة تشكيل المواقف السياسية، خاصة في الملفات ذات الطابع الاستراتيجي، ففي الوقت الذي تسارع فيه أوروبا إلى توسيع خياراتها الطاقية والبحث عن بدائل أكثر استقرارا، يتجسد في المقابل دعم دولي متنام للمبادرة المغربية، بما يحدّ من قدرة الجزائر على توظيف مواردها الطاقية كورقة ضغط مؤثرة، وأن حسم النزاعات الكبرى باتت خاضعة لتوازنات تتجاوز اعتبارات السوق الظرفية.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×