بين الادعاء والدفاع كيف يتعامل؟
الأخبار 24: حكيمة القرقوري
لا زالت قضية اللاعب الدولي المغربي لكرة القدم أشرف حكيمي عالقة بين جدران المحاكم وتداول إعلامي، حيث إتسعت فجوة بشكل متزايد بين المسار القضائي الرسمي والتسريبات التي تطلق على مراحل عبر المنصات الإعلامية، كلما يطرأ مستجد على الملف، لا تقتصر التساؤلات على البراءة أو الإدانة فحسب، بل تعمق الشكوك حول مصداقية الأطراف المتورطة وتصاعد التناقضات والروايات المقدمة، في ظل هذا المناخ المشحون، إذ تبدي وسائل التواصل الاجتماعي إصدار أحكاما قبل أن تتيح فرصة للقضاء للبت النهائي، مما يطرح إشكالية بين العدالة والرأي العام.
رسائل تكشف محاولة ابتزاز ممنهجة
أحدثت تحقيقات صحفية فرنسية ضجة واسعة، حيث فجرت بعض الصحف مفاجأة، أطاحت بجزء كبير من الرواية التي شكلت العمود الفقري للاتهام الموجه ضد النجم المغربي أشرف حكيمي، تتضمن كشفا لرسائل نصية متبادلة بين المشتكية وصديقتها، عشية الواقعة المفترضة، لوضع علامات استفهام حول السياق والدوافع والنوايا، وضمن العبارات الواردة في تلك الرسائل “اذهبي إليه كامرأة مغرية”، و”حاولي الحصول على الكود”، و”سوف نذهب لابتزازه” لا ينسجم هذا السيناريو مع الفكرة التلقائية أو العفوية، بل توحي للتحضير له مسبقا، لم تكن هذه المعطيات ضمن الملف منذ البداية، وقد شكلت نقطة استند عليها الدفاع منذ سنة 2023، حين اشارت محامية حكيمي ما حدث بأنه “محاولة ابتزاز ممنهجة”، مستندة إلى مضمون تلك المحادثات كدليل على نية مبيتة لا علاقة لها بسياق الاعتداء، بل استدراج محسوب الأهداف.
رسائل محجوبة وشهادة تربك الرواية
لم تقف المعطيات المثيرة عند حدود الرسائل النصية الأولى، إذ كشف التحقيق أن جزءا من هذه المحادثات، التي كان من المفترض أن تسلم للسلطات في بداية الإجراءات، التي جرى حجبها عمدا أو سهوا، قبل أن تظهر لاحقا ضمن محاضر استماع الشاهدة، ما قوض هذا التناقض جزءا من مصداقية الرواية التي بنيت عليها الشكاية الأصلية، زرعت شكوكا جدية حول تماسكها، مما أثار تساؤلات عميقة وجوهرية بشأن النوايا المسبقة وطبيعة التصور الذي سبق وقوع الحادثة، وكشفت رسائل أخرى سبقت اللقاء بساعات، عن تحديد طبيعة الموقف المنتظر بلغة لا تخلو من التلميح والمزاح والإثارة، ما يتعارض صراحة مع مضمون الشكاية المقدمة لاحقا، ما يعيد لهذا التناقض بين الخطاب الخاص والخطاب الرسمي صياغة للمقاربة القانونية للقضية، ما زاد من تعقيد قراءتها الأخلاقية والإجرائية، وقد أدلى كيليان مبابي، نجم المنتخب الفرنسي وزميل حكيمي في فريق باريس سان جيرمان، بشهادة ذات دلالة، مؤكدا أن سلوك حكيمي مع النساء لطالما اتسم بالاحترام، حتى في الأوساط غير الرسمية وأوقات الاسترخاء، موضحا أن زميله كان واعيا بمسؤولياته كشخصية عامة، يتصرف دوما ضمن حدود تراعي صورته ووقع سمعته، شهادة تحمل وزنا أخلاقيا، وبعدا إنسانيا إضافيا، حتى وإن كانت غير كافية لحسم الموقف قانونيا، في سياق معقد تتداخل فيه الأبعاد الشخصية مع المعطيات الجنائية.
الخبرة النفسية تربك الرواية
خضعت المشتكية على المستوى النفسي لخبرتين متتالتين حاملتين في طياتهما مؤشرات تعيد ترتيب فهم الرواية الأساسية، حيث أشارت الخبرة الأولى إلى أن روايتها بدت منسجمة ظاهريا، لكنها لم تكن محاطة بأي أعراض نفسية تدعم فرضية التعرض لاعتداء جنسي، نقطة غالبا ما تعتبر حاسمة في هذا النوع من القضايا، لاحظت الخبيرة أن لغة المشتكية لا تتطابق مع خطاب الضحية، بل توحي بشعور بالخذلان أو عدم التقدير، أقرب إلى إحساس بالإهمال العاطفي منه إلى أثر صدمة عنف جسدي، أما الخبرة النفسية الثانية، فقد وسعت هامش الشكوك، معتبرة أن التوتر الذي أعقب اللقاء لم يكن نتيجة إكراه أو إجبار، بل وليد بين التوقعات الذاتية التي لم تقابل بالاستجابة المنتظرة من الطرف الآخر، يربط هذا التفسير، ما حدث بسوء فهم لا باعتداء، ومنح القضية بعدا نفسيا معقدا، ساهم في إضعاف السند النفسي للرواية الأصلية، الأمر الذي يضع أمام القضاء ملفا تشوبه الضبابية أكثر من الوضوح، وتحيط به الشكوك أكثر من اليقين.
ملف معقد أمام قاضي التحقيق
أثارت محامية الدولي المغربي أشرف حكيمي، “فاني كولين“، جدلا واسعا بعد انتقادها قرار النيابة العامة الفرنسية بإحالته إلى محكمة جنائية بتهمة الاغتصاب، وصفت القرار بأنه أحادي الجانب يركز على جمع أدلة الإدانة، مؤكدة امتلاكها لأدلة قوية تثبت براءة موكلها، ما اعتبرته نقصا جوهريا في القضية، ولا تزال فصول قضية أشرف حكيمي مفتوحة على احتمالات شتى، في ظل غياب حكم قضائي نهائي أو إغلاق رسمي للملف، لكن المؤشرات التي تبرز من وثائق التحقيق وتقارير الخبرة النفسية وشهادات الشهود، بدأت تضعف العديد من القناعات التي طالما أحاطت بهذا النوع من القضايا، لم يترجم البلاغ الشفهي إلى شكاية رسمية، وتردد في رواية المشتكية وتناقض أقوالها، مرورا بحجب أدلة لاحقة وغياب أي شاهد مباشر أو دليل مادي قاطع، وصولا إلى تقرير طبي خال من كل المؤشرات الجازمة، ما دفع دفاع اللاعب إلى التشكيك في عناصر قوة الملف، واستحضار فرضية الاستهداف، وقد تجاوزت القضية بعدها القانوني، لتحمل في طياتها أسئلة أعمق حول طبيعة المجتمع المعاصر وعلاقته بالعدالة، فقد وجد اللاعب نفسه في قلب معركة مزدوجة: واحدة داخل قاعات المحاكم، وأخرى خارجها، تديرها وسائل التواصل الاجتماعي بقسوة أحكامها وسرعة محاكمتها، لم تعد المسألة في هذا السياق مجرد اشتباه جنائي، بل مرآة تعكس اختلالا ثقافيا وقانونيا واسعا، حيث يتداخل الضغط الجماهيري مع مقتضيات القانون، ويتحول الرأي العام من متابع إلى إصدار لحكم مبكر، لا ينتظر استكمال التحقيقات ولا يلتزم بحدود الشك المشروع.
عدالة المنصات أم عدالة المحاكم؟
ما ينتظر اليوم ليس طمس الحقيقة ولا منح أشرف حكيمي صك البراءة خارج مسار العدالة، بل ضمان أن تدار القضية ضمن قواعد المحاكمة العادلة، كما ينص عليها القانون الفرنسي والمواثيق الأوروبية، فليست قرينة البراءة حق لكل متهم أو امتيازا يمنح للمشاهير، مهما كانت مكانته أو صورته العامة، وسيفضي الملف في نهاية المطاف إلى إدانة أو تبرئة، لكن ما سيبقى راسخا في ذاكرة المتابعين مدى احترام مسار العدالة لمبدأ النزاهة الإجرائية، ويبقى السؤال المقلق في قلب هذا المشهد: هل باتت منصات التواصل الاجتماعي تصدر أحكامها قبل المحاكم؟ وهل تحولت النجومية من درع واق إلى عبء يسرع المحاكمة الشعبية ويشوش على سير العدالة؟













