بين قانون التعبئة وفراغ السلطة هل؟
الأخبار 24 : مليكة بوخاري
أقر البرلمان الجزائري بغرفتيه قانون التعبئة العامة منتصف يونيو 2025، بسرعة استثنائية وبإجماع غير مسبوق، تقديم القانون كأداة لتنظيم الموارد الوطنية في حالات الطوارئ، فإن السياق السياسي والأمني الذي صدر فيه يضعه في قلب معادلة أكثر تعقيدا، تجمع بين صراع داخلي على السلطة من جهة، واستثمار المخاطر الإقليمية بالساحل وليبيا ذريعة لتبرير القرارات الاستثنائية من جهة أخرى.
غياب الرئيس وفراغ السلطة
تتضح مؤشرات فراغ في هرم السلطة الجزائرية مع الغياب الممتد للرئيس عبد المجيد تبون عن الأنظار منذ أسابيع، ما يعيد إلى الأذهان السنوات الأخيرة من حكم عبد العزيز بوتفليقة. ومع هذا الغياب، تتزايد التساؤلات حول من يمسك فعليًا بزمام القرار، وهل نشهد إعادة توزيع للنفوذ بين أجنحة الحكم، في مقدمتها المؤسسة العسكرية التي تظل اللاعب الأقوى في تحديد ملامح مستقبل البلاد.
التعبئة أداة لضبط الداخل
تم تمرير قانون التعبئة العامة، بسرعة وبإجماع البرلمانيين من الموالاة والمعارضة على حد سواء، بدت أبعد ما تكون عن صدفة تشريعية، تعكس وفق مراقبين توافقا فوقيا يهدف إلى إضفاء شرعية قانونية على ترتيبات قد تتجاوز المسار الديمقراطي التقليدي، في ظرف يتسم بغياب الرئيس وغموض المشهد السياسي، لا يقتصر القانون على بعده المعلن المتمثل في الاستعداد لمواجهة الأخطار الخارجية، بل ينطوي على وظيفة أعمق ترتبط بضبط الداخل، وتحصين السلطة من أي هزات اجتماعية محتملة، تزايد الاحتقان الشعبي وتردي الأوضاع الاقتصادية، تحولت التعبئة العامة إلى أداة تمنح النظام هامشا أوسع للسيطرة، أكثر مما تمنحه من قدرة على خوض معارك خارجية.
توتر الإقليم ذريعة لإعادة هندسة السلطة
لا يمكن فصل المشهد الداخلي في الجزائر عن محيطه الإقليمي المشتعل. فجنوبًا، يغلي الساحل الإفريقي على وقع تمدد الجماعات المسلحة وتزايد التدخلات الأجنبية، وشرقًا يظل الملف الليبي بؤرة توتر دائمة مع احتمال تسرب الفوضى عبر الحدود. هذه البيئة الإقليمية المتقلبة منحت السلطة مبررًا جاهزًا لإقرار قوانين استثنائية تحت شعار “حماية الأمن القومي”، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لها فرصة لاستثمار هواجس الخارج في إعادة ترتيب موازين الحكم داخليًا. وما يعزز هذه القراءة هو بروز مصطلحات مثل “الانقلاب الأبيض” في الخطاب الإعلامي والسياسي كتوصيف محتمل لعملية إعادة هندسة السلطة من وراء الستار. ورغم غياب أدلة رسمية تؤكد هذا الطرح، فإن اقتران الغياب الرئاسي المتواصل مع قرارات متسارعة تمس عمق البنية الدستورية والمؤسساتية، يضع الجزائر أمام مشهد مركب يفتح الباب واسعًا أمام هذه التأويلات.
التعبئة بين مواجهة الخارج وضبط الداخل
تبدو السلطة الجزائرية توظيف البعد الإقليمي المضطرب ذريعة لإعادة صياغة موازين الحكم وتحصين مواقع النفوذ، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاجتماعية داخليا، ما يجعل الشارع عامل تهديد حقيقي قد يدفع إلى استخدام قانون التعبئة العامة كسلاح للسيطرة على الداخل قبل تحسب مخاطر الخارج، بينما تؤكد الرواية الرسمية أن الخطوة تدخل في إطار “الجاهزية لمواجهة التحديات”، تكشف القراءة التحليلية أن البلاد بصدد إعادة تشكيل معادلة عميقة للسلطة تدار في صمت على وقع غياب الرئيس وغموض المشهد، حتى تتضح الملامح النهائية، يبقى السؤال مفتوحا: هل تعبئة السلطة موجهة فعلا لمواجهة الأخطار الإقليمية، أم أنها آلية لحماية نفسها من ارتدادات الداخل الذي يزداد احتقانا تحت ضغط الأزمات؟.













