تقنين الكهرباء يطفئ النشاط الليلي ويختبر الاقتصاد المصري

Mar 30, 2026 /

تقنين الكهرباء يطفئ النشاط الليلي

دخل قرار الحكومة المصرية بإغلاق المحلات التجارية والمطاعم يوميا عند الساعة التاسعة مساءا حيز التنفيذ، في سياق توجه رسمي يرمي إلى ترشيد استهلاك الطاقة وضبط الطلب على الكهرباء، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح على المشهد الحضري في عدد من المحافظات، حيث خفتت الأضواء تدريجيًا، وحل السكون محل الحيوية الليلية التي كانت تميز شوارع اعتادت النشاط حتى ساعات متأخرة.

تقنين الطاقة يطفئ ليل المدن المصرية

أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في 17 مارس 2026، عن القرار الذي دخل حيّز التنفيذ ابتداءً من 28 من الشهر ذاته ولمدة شهر كامل، في استجابة مباشرة لضغوط متصاعدة ناجمة عن ارتفاع الاستهلاك المحلي وتفاقم كلفة الطاقة على الصعيد العالمي. ولم يقتصر الإجراء على تقليص ساعات عمل الأنشطة التجارية، بل امتد ليشمل حزمة تدابير موازية، من بينها إطفاء الإعلانات الطرقية، وخفض إنارة الشوارع ودور العبادة، إلى جانب إغلاق الحي الحكومي عند السادسة مساءً، وتعزيز العمل عن بُعد، وأقرت السلطات عقوبات مالية قد تصل إلى 20 ألف جنيه بحق المخالفين، مع إمكانية اللجوء إلى إغلاق المحال أو سحب التراخيص. في المقابل، تم منح بعض الأنشطة استثناءا يتيح تمديد العمل إلى العاشرة مساءً خلال يومي الخميس والجمعة. ومع الساعات الأولى للتنفيذ، عجّت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع توثق مدنًا غارقة في العتمة، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الكلفة الاقتصادية لهذا القرار، خاصة في ظل مخاوف من انعكاساته المباشرة على وتيرة النشاط التجاري، مقابل تصاعد الدعوات إلى تسريع الانتقال نحو بدائل طاقية أكثر استدامة، يطرح القرار دلالات أعمق بعيدا عن طابعه الإجرائي، وكيفية إدارة الأزمات الطاقية، لا يبدو إغلاق المقاهي والمطاعم في وقت مبكر تدبير ظرفي، بل مؤشر على دخول البلاد مرحلة دقيقة في تدبير ندرة الموارد، ومع ذلك، يظل التساؤل الجوهري قائمًا: هل يعالج هذا النهج جذور الأزمة، أم يكتفي بإعادة توزيع كلفتها على الفاعلين الاقتصاديين؟.

تقشف طاقي يضغط على الاقتصاد الليلي

اختارت الحكومة مقاربة تقدم باعتبارها الأقل كلفة اجتماعيا على المدى القصير، عبر تفادي سيناريو انقطاع الكهرباء عن الأسر، مقابل نقل عبء التقشف الطاقي إلى كاهل القطاع التجاري، تكشف هذه المعادلة مفارقة لافتة، إذ تحافظ على حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي، لكنها في المقابل تضغط على الاقتصاد الليلي، أحد أبرز روافع التشغيل والاستهلاك في المدن الكبرى، وفي مقدمتها القاهرة، وفي ذات السياق لا تختزل المقاهي والمطاعم كونها فضاءات ترفيهية، بل تشكل حلقة أساسية ضمن منظومة اقتصادية متداخلة، تساهم في خلق فرص الشغل وتنشيط دينامية السوق، لا يقتصر الإغلاق المبكر على خفض استهلاك الكهرباء، بل يمتد إلى إبطاء الدورة الاقتصادية وإعادة تشكيل أنماط العيش الحضري بشكل قسري، حيث يفتح القرار باب التساؤل بشأن مناخ الاستثمار، إذ قد يقرأ كإشارة إلى قابلية بيئة الأعمال للتقييد السريع تحت ضغط الأزمات، ما يضع عامل الثقة والاستقرار على المحك.

بدائل دولية ترشيد دون خنق الاقتصاد

كشفت تجارب دولية عن مقاربات بديلة في تدبير أزمات الطاقة، أكثر توازنا بين متطلبات الترشيد والحفاظ على دينامية الاقتصاد، لم يتم اللجوء في المغرب إلى إغلاق شامل للأنشطة الليلية رغم التحديات القائمة، بل جرى التركيز على توسيع الاستثمار في الطاقات المتجددة، خصوصا الشمسية والريحية، إلى جانب برامج النجاعة الطاقية وتشجيع أنماط استهلاك أكثر مسؤولية، أما في فرنسا، وخلال أزمة الطاقة المرتبطة بتداعيات الحرب في أوكرانيا، فقد اتجهت السلطات إلى إجراءات ترشيد ذات طابع رمزي وعملي، شملت تقليص الإنارة في المباني العمومية وخفض درجات التدفئة، مرفوقة بحملات توعوية واسعة، دون فرض قيود مباشرة على نشاط القطاع الخاص، أما في ألمانيا، تم اعتماد مقاربة مركبة جمعت بين دعم الشركات، وتسقيف أسعار الطاقة، وتسريع وتيرة الانتقال الطاقي، مع الحرص على تجنب المساس الجوهري بساعات عمل الأنشطة الاقتصادية، ما يضمن استمرارية الإنتاج والحافظ على التوازن بين الضروريات الاقتصادية ومتطلبات إدارة الأزمة.

مقاربة ظرفية أم إصلاح هيكلي؟

تبرز هذه المقارنات أن المقاربة المصرية، رغم ما قد حققته من نجاعة آنية، تظل محدودة الأفق من منظور استراتيجي، إذ تنصرف أساسا إلى كبح الطلب بدل معالجة اختلالات العرض، سواء عبر تنويع مصادر الطاقة أو تطوير البنية التحتية لتعزيز القدرات الإنتاجية، قد تبدو مثل هذه التدابير مبررة في سياق طارئ، غير أنها تثير إشكاليات أعمق حين تتحول إلى نهج دائم، يدار الاقتصاد بمنطق الطوارئ يظل أكثر عرضة للاهتزاز، فيما يكمن التحدي الحقيقي في إعادة صياغة نموذج الإنتاج والتوزيع على أسس يضمن الاستدامة، وبين هذا وذاك، يظل الرهان مفتوحا: هل تشكل الأزمة الراهنة منطلقا لإصلاحات هيكلية عميقة، أم أنها ستبقى حلقة جديدة ضمن سلسلة حلول ظرفية قصيرة الأمد؟.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×