حين يصطدم الضمير بمنطق المهادنة
يقف مستشفى الزموري بمدينة القنيطرة، حيث تتراكم تفاصيل الهامش على أرصفة متعبة، شاهدا صامتا على مفارقة قاسية: مؤسسة صحية ولدت من مشروع عمومي طموح، لكنها ظلت لسنوات أسيرة أعطاب بنيوية واختلالات مزمنة تثقل كاهل المرضى وتستنزف ثقتهم في المنظومة الصحية.
برز اسم “البروفيسور الحفياني” داخل هذا السياق المشحون، كاستثناء في مشهد إداري اعتاد التكيف مع الأمر الواقع، لم يكن الرجل مديراً تقليدياً يكتفي بتدبير اليومي وفق منطق التوازنات الهشة، بل اختار أن يواجه اختلالات متجذرة، واضعا نفسه في قلب معركة لم يسع إليها، لكنه رفض الانسحاب منها.
وجد الحفياني نفسه منذ توليه المسؤولية، أمام واقع معقد: تجهيزات تتعطل ضمن لحظات، مسارات علاجية مرتبكة، وشبهات تحوم حول صفقات وتدبير موارد يفترض أن تكون في خدمة المريض أولا، كان بالإمكان، أن يدير ظهره لهذه الأعطاب، وأن يضمن لنفسه مساراً إداريا هادئا، لكن اختياره كان مغايرا.
لم يكن قرار الاستقالة الذي اتخذه إجراءا عابرا، بل تحول إلى موقف صريح ضد ما اعتبره انحرافا عن جوهر المرفق العمومي، رفض منح الشرعية لاختلالات بنيوية، وامتنع عن توقيع قرارات قد تعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، هكذا تحولت مهمته من تدبير إداري إلى مواجهة مفتوحة مع ما يمكن وصفه بمنطق المهادنة.
لم تكن المعركة شخصية بقدر ما كانت دفاعا عن حق المرضى في علاج كريم، وعن ضرورة صيانة مؤسسة كلفت خزينة الدولة استثمارات ضخمة، اختار الحفياني في هذا السياق أن يغامر باستقراره الوظيفي، مفضلا الاصطدام بمنظومة معقدة على أن يكون جزءا منها، وحين بلغت الأزمة ذروتها، جاءت الاستقالة كخلاصة لمسار من التوتر والاحتجاج، لم يكن إجراء إداري، بل رسالة قوية أعادت تسليط الضوء على أعطاب عميقة داخل المرفق الصحي، لم يتأخر صدى هذه الخطوة، إذ استنفرت مؤسسات الرقابة، وعلى رأسها المجلس الجهوي الأعلى للحسابات، وأيضا لجان تفتيش وزارية للوقوف على حقيقة الاختلالات المطروحة.
تتجاوز اليوم قصة الحفياني بعدها الفردي لتطرح أسئلة أوسع حول حكامة القطاع الصحي، وحدود المسؤولية الإدارية في مواجهة الفساد أو سوء التدبير، قصة مسؤول اختار أن يدفع كلفة الموقف، في وقت يفضل فيه كثيرون الصمت.
في النهاية، قد يخسر المسؤول منصبه، لكنه يكسب ما هو أبقى: مصداقيته أمام نفسه وأمام الرأي العام، وبين جدران مستشفى الزموري، لتظل هذه الواقعة تذكيرا بأن الإصلاح لا يبدأ دائما بقرارات مركزية كبرى، بل أحيانا بموقف فردي يرفض أن يتحول الألم الإنساني إلى رقم في سجلات الإدارة.














