خطاب نزار بركة بتازة يجسد رؤية وطنية
قدم الأمين العام لحزب الاستقلال بمدينة تازة، خطابا تجاوز الطابع الحزبي المألوف، ليرسم معالم رؤية وطنية شاملة تمزج بين السياسة والاجتماع والتنمية والسيادة، بدا خطابه أقرب إلى وثيقة فكرية تؤطر لمغرب جديد يقوم على معادلة واضحة: لا سيادة حقيقية دون عدالة اجتماعية، ولا تنمية متوازنة دون إنصاف مجالي.
الصحراء عنوان الوحدة والسيادة المغربية
أكد نزار بركة ضمن سياق وطني يسبق اجتماع مجلس الأمن حول قضية الصحراء المغربية والاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، أن قوة الموقف المغربي على الساحة الدولية تنبع أولا من صلابته الداخلية وتماسك جبهته الوطنية، موضحا أن قضية الصحراء المغربية لم تعد ملف نزاع إقليمي، بل تحولت إلى رمز لوحدة الدولة واستمرارية مؤسساتها، وأشار بركة أن تزايد اعترافات القوى الكبرى بمغربية الصحراء يعكس اقتناعا دوليا راسخاً بأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الحل الواقعي والدائم للنزاع المفتعل، لافتا إلى أن هذا التقدم الدبلوماسي يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع ترسيخ العدالة الاجتماعية داخل الوطن، ولا يكتمل الانتصار الخارجي إلا بتقوية الجبهة الداخلية، معتبرا أن طيّ ملف الصحراء سيفتح آفاقا واسعة لبناء فضاء مغاربي جديد قائم على الاستقرار والتكامل الاقتصادي، يضم نحو مئة مليون نسمة، ويجعل من المغرب محورا للتنمية والتوازن في المنطقة.
تازة عنوان الفوارق المجالية
شكل الجانب الاجتماعي في خطاب نزار بركة أحد أبرز محاوره وأكثره عمقا، إذ قدّم تشخيصا دقيقا للوضع بإقليم تازة، مستندا إلى معطيات رقمية تكشف حجم الفوارق المجالية والاجتماعية، فقد أشار أن معدل البطالة في الإقليم يصل إلى 29%، فيما تتجاوز نسبة الفقر 49% في بعض المناطق الجبلية، أرقام تفوق بكثير المعدلات الوطنية، وتجسد هشاشة البنية التنموية بالإقليم، وأيضا استحضر بركة في هذا السياق مقولة الملك محمد السادس: “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، معتبرا أن تجاوز هذه الفوارق تفرض مراجعة جذرية لنموذج التنمية الترابية المعتمد، وكما دعا إلى القطع مع منطق السياسات القطاعية المنعزلة، واعتماد مقاربة مندمجة تجمع بين تطوير البنية التحتية وتحسين التعليم والصحة والتشغيل والرقمنة في إطار رؤية مجالية موحدة، محذرا من تمركز 60% من الثروة الوطنية في ثلاثة جهات فقط ما يشكل تهديدا حقيقيا للتوازن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
الحكامة والأمن المائي أساس التنمية
وجه نزار بركة في مقطع دقيق من خطابه، نقدا واضحا لمنظومة تدبير الاستثمار العمومي، معتبرا أن الإشكال الحقيقي لم يعد في حجم الموارد المالية المرصودة، بل في ضعف أثرها المباشر على حياة المواطنين، واستدل على ذلك بقانون مالية 2026 الذي خصص 140 مليار درهم لقطاعي التعليم والصحة أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ميزانية تنظيم كأس العالم 2030 مؤكداً أن الأولوية ينبغي أن تمنح للخدمات الأساسية التي ترسخ الثقة والمواطنة، وشدد على أن ضخ الأموال، مهما بلغ حجمها، لا تكفي ما لم ترفق الاستثمارات بآليات صارمة للتتبع والتقييم والمساءلة، مؤكدا أن الحكامة الجيدة تظل المدخل الحقيقي لتحويل المشاريع الكبرى إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وفي السياق ذاته، لفت بركة الانتباه إلى أزمة مائية خانقة يعيشها إقليم تازة، حيث لا تتجاوز حصة الفرد من الماء 200 متر مكعب سنويا مقابل معدل وطني يبلغ 650 مترا مكعبا، محذرا من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة، وكما دعا إلى اعتماد سياسة مائية ترابية قائمة على ترشيد الاستهلاك، وتحديث تقنيات الري، واستثمار إعادة استعمال المياه العادمة وتغذية الفرشات المائية، معتبرا أن الأمن المائي هو الأساس الصامت للأمن الاجتماعي والاقتصادي، وركيزة من ركائز الريادة البيئية للمغرب في القارة الإفريقية.
تازة رافعة للتنمية والعدالة المجالية
يرى نزار بركة أن إقليم تازة يمتلك كل مقومات النهوض التنموي، بفضل موقعه الاستراتيجي وطبيعته الغنية وتاريخه العريق، مؤكدا أن تحويله إلى قطب اقتصادي صاعد يمر عبر الاستثمار الذكي في السياحة الإيكولوجية، والصناعات التقليدية، والفلاحة المحلية، والتجارة الرقمية، وأبرز أن الميثاق الجديد للاستثمار يمنح حوافز مهمة للمستثمرين في الأقاليم الداخلية، تصل إلى 10% من كلفة المشروع، ما يفتح الباب أمام بناء نسيج اقتصادي محلي منتج ومستدام، وفي ختام كلمته، وجه بركة رسالة سياسية واضحة مفادها أن ضعف المشاركة في الاستحقاقات المقبلة سيضعف مصداقية المؤسسات المنتخبة، وينعكس سلبا على الموقف المغربي في الدفاع عن الحكم الذاتي، مشددا على أن الديمقراطية الداخلية أساس الشرعية الخارجية، ودعا إلى تعبئة وطنية شاملة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال ترسيخ الشفافية وعدالة التوزيع وربط السياسات العمومية بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لم يكن خطاب تازة لقاء حزبي، بل لحظة فكرية حملت ملامح مشروع سياسي جديد يعيد تعريف المدرسة الاستقلالية في ثوب معاصر: مغرب موحد بسيادته، عادل في مجاله، متوازن في ثرواته، وديمقراطي في مساراته مغرب واحد يسير بسرعة واحدة.













