دبلوماسية الهيبات الجزائرية كرم سياسي أم استثمار في الوهم؟

Jan 30, 2026 /

دبلوماسية الهيبات الجزائرية كرم سياسي

مليكة بوخاري

أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في لحظة تعكس التناقض العميق بين الخطاب السياسي والمشهد الاجتماعي الداخلي، عن تخصيص مليار دولار كدعم مالي موجه لدول إفريقية، تحت مسمى تمويل مشاريع للبنية التحتية. هذا الإعلان، الذي قد يبدو للوهلة الأولى فعلًا من أفعال التضامن الدولي، يثير تساؤلات مشروعة حول الخلفيات السياسية والدوافع الحقيقية وراءه، خاصة عندما يوضع في سياق الأزمات المتفاقمة التي يعيشها المواطن الجزائري في شتى مناحي الحياة.

دبلوماسية الهيبات في زمن الأزمات
يعيش الجزائريون في ظل تراجع المؤشرات الاقتصادية واتساع رقعة التدهور المعيشي، وتحت وطأة سياسات تقشفية غير معلنة تزيد من الأعباء اليومية، في وقت تختار فيه الدولة توجيه جزء من ثرواتها “للكرم الخارجي” عبر تمويلات وهبات لدول إفريقية، تسوق هذه الخطوة تحت غطاء التعاون الإقليمي، وتعمق شعورا بالخذلان لدى المواطن وتثير أيضا تساؤلات حادة حول ترتيب الأولويات الوطنية، ويصبح التساؤل في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية: هل من الحكمة توجيه الموارد لتوسيع النفوذ الدبلوماسي، بينما لا تزال احتياجات الداخل الأساسية معلقة؟ وهل يمكن الحديث عن دور إقليمي فاعل دون معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد تماسك الجبهة الداخلية؟.

توظيف الهيبات لأجندات سياسية
لا يمكن قراءة قرار تخصيص مساعدات مالية ضخمة لدول إفريقية بمعزل عن السياق السياسي الذي يحكم توجهات الجزائر الخارجية، لاسيما فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، يقدم السخاء المالي تحت غطاء دعم التنمية، يفهم على نطاق واسع كجزء من استراتيجية من أجل كسب تأييد دبلوماسي لموقف الجزائر الداعم لميليشيا البوليساريو، في مواجهة تراجع الدعم الدولي لهذا الطرح، وتصبح هذه المساعدات أداة فعالة للتأثير في المواقف، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والسياسية في عدد من الدول الإفريقية المتلقية، حيث لا تصمد هذه التحالفات إلا بقدر استمرار التدفق المالي، وبهذا تنزلق الهبة من إطارها التنموي المفترض إلى مساحة الابتزاز السياسي المتبادل، دون أن تحقق فائدة استراتيجية حقيقية للجزائر، أو تنمية مستدامة لتلك الدول، ما يجعلها استثمارا مكلفا في تحالفات مؤقتة وقابلة للتآكل.

رهان مكلف على قضية متآكلة
يتضح أن النظام الجزائري يراهن على الإنفاق من المال العام لتعزيز موقعه الدبلوماسي في قضايا فقدت الكثير من زخمها على الساحة الدولية، خاصة مع التراجع المتزايد في عدد من الدول التي كانت تدعم الموقف، مقابل تزايد الدعم للمبادرات أكثر واقعية مقترح الحكم الذاتي للصحراء، تحت السيادة المغربية، وتواصل الجزائر التمسك بخطاب سياسي متصلب يتجاهل هذه المتغيرات الجيوسياسية الواضحة، متمسكة بسياسات لا تتوافق مع مصالحها الاستراتيجية، وتكبد البلاد أعباءا اقتصادية واجتماعية كبيرة.

ثروات تهدر ومواطن يهمش
تسلط الوقائع الداخلية الضوء على مفارقة صارخة: رغم الخطاب الرسمي الذي يروج لمبدأ التضامن الإفريقي، إنفاق مالي سخي على مشاريع خارجية لا تقابل بأي تحسن ملموس في معيشة المواطن الجزائري. تتدهور الأوضاع الاجتماعية والمعيشية في قطاعات حيوية منها: الصحة والتعليم والسكن، بينما يعاني الشباب من انسداد الآفاق، ما يدفع الكثير منهم في رحلات الهجرة غير النظامية، بحثا عن فرص افتقدوها في بلد غني بالموارد الطبيعية والإمكانات، وفي المقابل، يستمر تهميش الجنوب الجزائري، رغم ثرواته الهائلة، في غياب رؤية تنموية متوازنة تعكس أولويات الداخل، فلا يقاس التضامن الحقيقي بحجم الهبات الخارجية، بل بمدى تحقيق العدالة الاجتماعية داخليا أولا، فلا يبنى النفوذ الخارجي، على سياسات الإنفاق السياسي، بل على نموذج وطني، ينتج احتراما في الخارج انطلاقا من إنصاف الداخل.

كرم سياسي خارجي بأموال الشعب
يواصل النظام الجزائري، في ما يشبه الرهان الخاسر، ربط مستقبل البلاد بقضية انفصالية استنزفت الموارد وخرجت عن منطق الواقع الجيوسياسي، في وقت تصر فيه على تسخير قدرات الدولة لخدمة معركة دبلوماسية تبدو معزولة عن التوجهات الدولية الراهنة، وبينما تطالب المواطن بشد الحزام ومواجهة ضغوط المعيشة، تفتح الخزائن العامة لتمويل مواقف ظرفية لدول تفتقر في كثير من الأحيان إلى قرارها السيادي، تكشف هذه المفارقة الصارخة خللا عميقا في ترتيب الأولويات، حيث تستنزف الطاقات في رهانات خارجية، بدلا من استثمارها في إعادة الاعتبار لكرامة المواطن، وتحقيق تنمية مستدامة تعالج اختلالات الداخل، لا تبنى القوة الإقليمية الحقيقية على توزيع الهبات السياسية، بل على نموذج وطني ناجح يلهم الآخرين، لا على مساعدات تمنح في سياق حسابات ظرفية، وإن كان من دعم حقيقي يقدم لإفريقيا، فيجب أن يكون نابعا من تجربة وطنية راسخة، لا من وهم دبلوماسي يسوق خارجيا بينما الداخل يزداد هشاشة.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×