دبلوماسية وسياسة متآكلة تحالفات
مليكة بوخاري
تلوح في الأفق ملامح أزمة صامتة بين النظام الجزائري والبوليساريو، تحمل في طياتها إشارات واضحة إلى تآكل مرحلة الدعم اللامشروط، وبداية تحول تدريجي في الرؤية الجزائرية إتجاه كيان ظل لعقود جزءا من معادلة الصراع الإقليمي مع المغرب، يعكس هذا التحول مراجعة ضمنية لاستراتيجية معقدة طالما اعتمدتها الجزائر في إدارة ملف الصحراء المغربية، لكنها باتت اليوم محكومة بمتغيرات داخلية وضغوط خارجية تعيد رسم حدود العلاقة مع الجماعات المسلحة.
احتقان متصاعد في تندوف
لم يعد من الممكن الإنكار أن البوليساريو تحول إلى عبء متعدد الأبعاد على الدولة الجزائرية، يتجلى في أبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية، وتؤكد المعطيات الميدانية توترا يعكس هذا الواقع المتأزم، وعلى رأسها تصاعد التوتر داخل مخيمات تندوف، حيث سجلت خلال الأسابيع الأخيرة انتهاكات خطيرة نفذها الجيش الجزائري بحق المدنيين، باستخدام طائرات مسيرة لاستهداف منقبين عن الذهب، ما أسفر عن مقتل ثلاثة شبان صحراويين، هذه الحوادث المروعة تعكس حالة من الاحتقان الاجتماعي المتصاعد، وتفضح في الوقت ذاته هشاشة العلاقة بين الجزائر وقيادة البوليساريو، التي فقدت تدريجيا قدرتها على ضبط الوضع الداخلي واحتواء غضب الشباب، ففي ظل انسداد الأفق وغياب حلول واقعية، لم يعد لدى هؤلاء المحتجزين ما يخسرونه، ما يجعلهم أكثر استعدادا لمواجهة واقعهم القاتم، حتى وإن كلفهم ذلك حياتهم.
تصريحات تكشف تصدع العلاقة مع البوليساريو
برز تحول في موقف الجزائر من البوليساريو من داخل أعلى هرم السلطة، حين أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، في حوار مع صحيفة لوبينيون الفرنسية، عن امتناع بلاده عن تسليح الجبهة الانفصالية، وقد فُسّر هذا التصريح، في أوساط البوليساريو، على أنه تحول جذري يشكل صفعة غير مسبوقة، ويكشف عن فتور رسمي تجاه ملف طالما اعتُبر أحد أعمدة السياسة الخارجية الجزائرية، وقد زاد من وقع هذه التصريحات تسريب تسجيل صوتي منسوب للقيادي البارز في البوليساريو، البشير مصطفى السيد، شقيق مؤسس البوليساريو، وجّه فيه انتقادات حادة للجزائر، متهماً إياها بتغليب مصالحها الخاصة على حساب ما يسميه “قضية الصحراء”. هذا الموقف العلني، غير المسبوق من داخل الجبهة، يُعد مؤشراً على تصدع في العلاقة بين الطرفين، ويعكس، حقيقة تحول البوليساريو إلى “ورطة استراتيجية وورما سياسيا” بالنسبة للنظام الجزائري.
من ورقة الى استنزاف مستمر
لا يمكن فصل هذا التوتر في العلاقات، عن السياق الاقتصادي الداخلي المتأزم في الجزائر، حيث يواجه النظام ضغوطا متزايدة إلى اتخاذ تدابير تقشفية واسعة، تشمل ترشيد النفقات العمومية وتقليص الدعم الخارجي، في ظل تراجع عائدات النفط والغاز، وارتفاع معدل البطالة، واتساع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية، لم يعد من المجدي في ظل هذه التحولات الراهنة، استمرار دعم البوليساريو، لفقدانه الكثير من فعاليته ومشروعيته السياسية، التي استُخدمت لسنوات كورقة ضغط إقليمية، تحولت اليوم إلى عبء ثقيل، يستنزف خزينة الدولة الجزائرية ويؤجج التوترات على الساحة الدبلوماسية، مما يعقد علاقاتها مع عدد من القوى الدولية المؤثرة، ويزداد وقع هذا التحول مع تصاعد التساؤلات داخليا حول منطق الاستمرار في تبني سياسة لم تعد تحقق أي مكاسب استراتيجية، وباتت تفتقر إلى الحد الأدنى من المبررات السياسية والشعبية.
عزلة دولية واحتقان داخلي
أفرزت سياسة الدعم غير المشروط التي انتهجتها الجزائر اتجاه صنيعتها تداعيات دبلوماسية سلبية متفاقمة، إذ أصبحت الجزائر عرضة لعزلة متنامية على الساحة الدولية، في ظل تصاعد الانتقادات بشأن انتهاكات حقوق الإنسان داخل مخيمات تندوف، وارتفاع الأصوات المطالبة بالكشف عن مصير المساعدات الإنسانية التي يكتنفها الغموض، وسط اتهامات متكررة بالفساد وسوء استغلال المعونات الدولية لأغراض سياسية ضيقة، وأيضا تفاقم الأزمة بأكثر حدة داخليا، حيث يشهد مخيم تندوف حالة من الغليان الاجتماعي بفعل الإحباط المتراكم لدى الشباب الصحراوي، المحروم من أدنى مقومات العيش والفاقد لأي أفق سياسي واضح، وقد دفعه هذا الوضع إلى التمرد على سلطة البوليساريو، من خلال امتهان أنشطة غير قانونية، كالتنقيب العشوائي عن الذهب، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر مميتة، في ظل تعاط أمني عنيف يتجلى في استخدام الرصاص الحي والطائرات المسيرة ضد المدنيين، تعكس هذه الوقائع المتكررة تصدعا حقيقيا في بنية المخيمات وتآكلا في شرعية قيادة البوليساريو، التي باتت عاجزة عن السيطرة على الوضع، وامتصاص حالة السخط العارم في صفوف المحتجزين، الأمر الذي ينذر بمزيد من الانفلات والاحتقان في منطقة تعيش منذ عقود على إيقاع حلقة مفرغة.
البوليساريو عبء مكلف وعالة على الجزائر
تحول البوليساريو، الذي لطالما اعتبر أداة ضغط استراتيجية في يد الجزائر ضد المغرب، إلى عبء مركب يثقل كاهل النظام الجزائري على المستويات الدبلوماسية والمالية والإنسانية، ومع تصاعد الضغوط الدولية بالمطالِبة بإنهاء النزاعات المفتوحة، يجد النظام العسكري نفسه في موقف متزايد لدعمه هذا الكيان المسلح خارج إطار الشرعية الدولية، وسط تغير في المزاج الدولي نحو ترسيخ منطق الاستقرار والتنمية، وفي ظل هذا السياق المتغير، تزداد الخيارات المتاحة أمام الجزائر: إما الاستمرار في تبني خطاب الإنكار والرهان على مشروع انفصالي متآكل فقد مبرراته الواقعية، وإما الانخراط في مقاربة جديدة تعيد ضبط بوصلة سياستها الخارجية، بما ينسجم مع الحقائق الجيوسياسية ويخدم تطلعات شعوب المنطقة للأمن والتكامل، لم يعد البقاء على الوضع الراهن مجرد مغامرة سياسية، بل بات يشكل استنزافا متواصلا للموارد ويضاعف التحديات الداخلية للنظام العسكري الجزائري، في وقت تتطلب فيه المرحلة مراجعة شاملة وجريئة للعلاقة مع البوليساريو، تنطلق هذه المراجعة من رؤية واقعية تضع حدا لهذا النزاع الإقليمي المفتعل، وتفتح الباب أمام مسار جديد قوامه التعايش والتكامل الإقليمي، بعيدا عن منطق الصراع العقيم الذي أرهق الجميع دون استثناء.













