صحيفة لوموند الفرنسية تفقد مصداقيتها بالترويج لأجندات سياسية

Jan 30, 2026 /

صحيفة لوموند الفرنسية تفقد

الأخبار 24: مليكة بوخاري

ردا على ما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 24 غشت الجاري، وما أسمته تحقيقاً صحفيا، لا يعدو كونه عرضاً باهتاً لإعادة تدوير خطاب دعائي قديم، يفتقر إلى أبسط قواعد المهنية والموضوعية، ويبدو وكأن الصحيفة العريقة نسيت فجأة كل ما تغنت به عن “التحليل الدقيق والحياد”، انزلقت لوموند هذه المرة في فخ الإثارة الرخيصة، وارتضت لنفسها أن تتحول إلى نسخة متقادمة من الصحافة الاستشراقية، تبحث في لقطات عابرة لتصنع منها صورة مقلقة ومصطنعة عن مستقبل الحكم في المملكة، وكأن الإنجازات التنموية والسياسية التي يشهد بها الداخل والخارج مجرد تفاصيل ثانوية لا تستحق الذكر، والأكثر سخرية: صحيفة يفترض أن تكون منارة للصحافة الأوروبية تهاوت أمام صورة نمطية متكررة، لتصنع صورة جاهزة في ذهن قرائها بباريس، في حين تبقى لوموند أسيرة أوهامها الاستعمارية، عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والخيال، بين الإنجاز والمشهد المسرحي الذي اختارت أن تصنعه بنفسها، بينما الواقع على الأرض يثبت يوما بعد يوم أن المملكة بلد مؤسسات راسخة.

تحقيق أم سرد مستهلك؟
ما يثير الدهشة حقا في ما قدمته صحيفة لوموند أنها لم تتجاوز حدود إعادة إنتاج صور نمطية قديمة، مستوحاة من زمن الوصاية الاستعمارية، حيث تحول التركيز إلى الملك وصحته وخلافته على حساب قراءة موضوعية للواقع المغربي، فبينما يشهد القاصي والداني الإنجازات التنموية الضخمة بمجالات الطاقات المتجددة، البنية التحتية، التحول الرقمي، والشراكات الدولية، اختارت الصحيفة الفرنسية تجاهل هذه المعطيات الصلبة، كأنها لا تشكل جزءا من الرواية التي أرادت صياغتها، يحول هذا التجاهل المتعمد ما يسمى تحقيقا صحفيا إلى إعادة أنماط ذهنية متجاوزة، بعيدة عن المهنية الصحفية التي تقوم على التوازن والعمق والتحقق من الوقائع، يبرز من هنا سؤال جوهري: هل تهدف لوموند فعلا إلى نقل صورة دقيقة عن المغرب، أم أنها تحاول صناعة “مغرب وهمي” يتوافق مع القوالب الجاهزة في ذهن بعض صانعي الرأي بباريس؟ إن هذه المقاربة ليست هفوة مهنية، بل تعبير عن نزع متعمد لإلغاء إنجازات وطنية حقيقية، واستبدالها برواية مسبقة الصنع، ترضي مصالح سياسية أو إيديولوجية بعينها، وهكذا، يبدو المغرب في النص الفرنسي وكأنه أقل من إنجازاته، بينما الواقع على الأرض يشهد بوضوح على دينامية الدولة المغربية، وقدرتها على المضي قدما بثبات للمستقبل، متحدية كل محاولات التشويه أو الاختزال.

لومند بين الانحياز وفقدان المصداقية
ما نشرت لوموند لا يندرج ضمن أخطاء مهنية، بل يشكل خرقا صارخا لأخلاقيات الصحافة نفسها، إذ يقوم التحقيق الصحفي الحقيقي على التوازن والعمق والاحتكام إلى الوقائع، بينما اختارت الصحيفة الفرنسية الانزلاق لانتقائية مريبة، محملة بتحامل واضح ونزعة استعلائية تتناقض مع أبسط قواعد الحياد، التركيز على صحة الملك أو سيناريوهات الخلافة ليس موضوعا صحفيا بريئا، بل إعادة لخطاب استشراقي قديم، سبق أن استعمل لتبرير الوصاية على الشعوب بدعوى “غياب الاستقرار”، بما يجعل المقال أقرب إلى أداة للتلاعب السياسي منه إلى تحقيق موضوعي، في المقابل، ليس المغرب بلدا هشا يحتاج إلى شهادات خارجية ليبرهن على شرعيته، إنه دولة ذات تاريخ متجذر، ومؤسسات قوية، وشعب واع يقيم المشروع الوطني بوضوح، ما يجعل أي محاولة للنيل من استقراره أو تصويره على أنه على حافة الانهيار مجرد فشل إعلامي ذريع، الصحافة الفرنسية خسرت نفسها فعليا، وأهدرت جزءا من رصيدها الأخلاقي حين اختارت خطابا متعاليا على قرائها، وأثبتت أن هذه “التحقيقات” لا تعدو أن تكون أدوات لتصفية حسابات سياسية وإيديولوجية، لا أكثر.

قوة الحاضر وامتحان الصحافة
إن من يصر على تبخيس مسار المغرب يتجاهل حقيقة ماثلة للعيان: اقتصاد وطني يثبت صلابته أمام العواصف العالمية، وأوراش تنموية كبرى ممتدة من طنجة إلى الكويرة، وريادة إفريقية متقدمة في قضايا الهجرة والتنمية المشتركة، فضلا عن مكانة وازنة في ملفات السلم والأمن الإقليمي، غير أن جوهر الاستثناء المغربي يكمن في ذاك التلاحم التاريخي بين العرش والشعب، الذي يزداد متانة كلما حاولت بعض الأقلام الخارجية التشويش عليه، هذا الثابت العريق ما يجعل المغرب بلدا عصيا على محاولات النيل من استقراره أو التشكيك في خياراته، وإن كان يفترض بصحيفة لوموند أن تظل منبرا لصحافة الجودة، تحولت كتاباتها الأخيرة عن المغرب إلى نموذج للسطحية والانتقائية، لم تسيء إلى صورة المملكة بقدر ما عرت نفسها أمام قرائها، مؤكدة أن بعض الصحافة الفرنسية ما تزال رهينة أوهام استعمارية قديمة لم تعد تقنع حتى جمهورها الداخلي، يشق المغرب طريقه بثبات للمستقبل، أكبر من أن تهزه نزوات إعلامية عابرة أو مقالات متحاملة، لتبقى لوموند عالقة في سؤال مؤلم عن مصداقيتها، بعدما تخلت عن رسالتها الأصلية واختارت دفاتر الماضي بدل قراءة الحاضر بموضوعية.

مغرب يصنع المستقبل وصحافة عالقة في الماضي
ما يثير الدهشة وربما الشفقة أن صحيفة بحجم لوموند، التي تباهي قارئها بتاريخ طويل من الجدية الصحفية، لم تجد في خزانتها المهنية ما تقدمه عن المغرب سوى إعادة تدوير أنماط ذهنية مستهلكة بائدة تعود إلى زمن الوصاية الاستعمارية، لقد تحول ما سمته “تحقيقا” إلى مادة سطحية أقرب إلى الصحافة الصفراء منها إلى الصحافة الرصينة، حيث استبدل التوثيق الصارم بالانتقائية، وغابت القراءة الموضوعية لصالح العناوين المثيرة التي لا تعكس إلا حاجة ملحة إلى شد الانتباه بأي ثمن، والمفارقة أن هذا السقوط المهني لا يسيء إلى المغرب في شيء، بل يضع الصحيفة الفرنسية نفسها في قفص الاتهام أمام قرائها، كأنها تكشف لهم أنها لم تعد منبرا للتنوير بقدر ما أصبحت مرآة لأحكام مسبقة وأهواء متقادمة، أما المغرب، ببساطة أكبر من أن تجادله أوراق صفراء تتغذى على غبار الماضي، بلد ينسج مساره بخطى واثقة، يراكم الإنجازات في الاقتصاد والتنمية والطاقة المتجددة، ويرسخ مكانته كفاعل إقليمي ودولي جدير بالثقة، إن الانشغال بخلق “أزمات مصطنعة” حول صحة الملك أو خلافته لا يعكس إلا عجزا عن استيعاب استقرار مؤسساته وتلاحم عرشه بشعبه، فيما يواصل المغاربة، بمختلف أطيافهم، مشروعهم الوطني بثبات، وهكذا يصبح الفرق جلياً: بين مغرب ينظر إلى الأمام ويشيد مستقبله بثقة، وصحافة فرنسية عريقة باتت مشغولة بتقليب دفاتر قديمة، تحاول عبثا صناعة أزمات من فراغ، فلا تكسب سوى السخرية وفقدان ما تبقى من رصيدها الأخلاقي.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×