عبد اللطيف حموشي يحل بإيموزار
حل المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، بمنزل أسرة الشرطي الذي استشهد أثناء مزاولته لمهامه النظامية بمدينة إيموزار، خطوة تحمل بعدا إنسانيا عميقا ودلالة مؤسساتية راسخة، لم تكن الزيارة إجراءا بروتوكوليا تقليديا، بقدر ما جسدت رسالة واضحة مفادها أن دماء شهداء الواجب تظل حاضرة في وجدان المؤسسة، وأن أسرهم تجد في جهاز الأمن الوطني سندا ثابتا ورعاية متواصلة في لحظات الفقد والمحنة.
حضور يمتد إلى ما بعد الاستشهاد
يعكس هذا الحضور الميداني فلسفة عميقة يكرسها النظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني، حيث يتحول حماية رجال ونساء الشرطة من واجب إداري إلى التزام قانوني وأخلاقي يترجم قيم الوفاء والاعتراف بالتضحيات، لا تكتفي المؤسسة الأمنية بتشييد خطاب رمزي لتخليد ذكرى الشهداء، بل تبني منظومة متكاملة تضمن استمرار الرعاية والدعم لذويهم، بما يحافظ على كرامة الأسر، ويجعل من التضحية بالروح امتدادا لقوة معنوية تحمي عائلاتهم من العوز أو الهشاشة، تبرز خصوصية المقاربة المغربية التي تجعل من التكريم فعلا مؤسساتيا له امتداد اجتماعي ملموس، يبدأ بمنح مالية سنوية لأبناء الشهداء حتى نهاية دراستهم الجامعية، ولا يتوقف عند تأمين سكن لائق للأرامل يرسخ الاستقرار الأسري، بل يتعداه إلى برامج تعليمية وتربوية وتخييمية تنسج جسور الأمل في مستقبل أفضل، وبهذا تتحول لحظة الفقد إلى نقطة انطلاق جديدة تؤكد أن المؤسسة الأمنية ليست حامية للأمن العام، بل أيضا حامية لحقوق أسر من ضحوا في سبيل الوطن.
اعتراف يتجسد في الفعل
حرصت المديرية العامة للأمن الوطني على تحويل ثقافة الاعتراف إلى ممارسة مؤسساتية راسخة، تجعل من تكريم شهداء الواجب ومواكبة ذويهم جزءا لا يتجزأ من بنيتها التنظيمية، لا يقتصر التقدير على الشعارات، بل يتجسد في قرارات عملية، أبرزها الترقيات الاستثنائية التي تمنح للشهداء أو للمصابين بجروح بليغة خلال التدخلات الميدانية، ما يعكس قيمة تضحياتهم ويثبت مكانتهم داخل المنظومة الأمنية حتى بعد رحيلهم أو إصابتهم، تحمل هذه الخطوة في عمقها رسالة رمزية قوية، مفادها أن الاستشهاد أو التضحية في سبيل الوطن لا يقابل بالنسيان، بل يكرس باعتبارها جزءا من مسار مهني ممتد عبر الزمن، وموازاة مع هذا البعد الرمزي، تشتغل المؤسسة الأمنية على ضمان حماية اجتماعية دائمة للأسر، من خلال منح مالية منتظمة، وتأمين سكن لائق، وبرامج تعليمية وتربوية تُواكب أبناء الشهداء حتى استكمال مسارهم الجامعي، وما يميز هذه المقاربة أن المدير العام للأمن الوطني يحرص شخصيا على إضفاء بعدها الإنساني المباشر، سواء عبر الاستقبالات الرسمية لأسر الشهداء أو من خلال زيارات خاصة محملة برسائل تعاطف ووفاء. بهذا المعنى، لا تتحول تضحيات رجال الأمن إلى مجرد حدث عابر، بل إلى قيمة متجذرة تترجمها الأفعال اليومية وتؤكد أن المؤسسة تظل وفية لمن ضحوا بحياتهم دفاعاً عن الوطن.
تقدير لتضحيات شهداء الواجب
سجلت السنوات الأخيرة سلسلة من شهداء الواجب بمختلف مدن المملكة، تراوحت ظروف وفاتهم بين حوادث أثناء مزاولة المهام، واعتداءات بالسلاح الأبيض، وصولا إلى جرائم إرهابية استهدفت مباشرة حياة رجال الأمن، تتفاوت هذه الوقائع، رغم طبيعتها، لتكشف بجلاء طبيعة المخاطر التي يواجهها رجال الأمن في أداء واجبهم، تبرز مهنة هذه الوظيفية لتصبح رسالة أخلاقية واجتماعية، تحمل في طياتها التزاما بالدفاع عن الوطن والمواطنين مهما كلف الأمر، ويظل القاسم المشترك بين كل هذه الحالات ثابتاً: رجل أمن اختار الطلائع في الصفوف الأمامية، واضعا حياته على المحك دفاعا عن الأمن العام، والوفاء بالواجب ليس شعارا ، بل تضحيات حقيقية تنسجها الإرادة والشجاعة، وتبقى ذكراه حاضرة في الذاكرة الجماعية، لتشكل دروسا مستمرة في التضحية ونكران الذات، وتعيد التأكيد أن رجال الأمن ليسوا موظفين، بل رموز حية لمصداقية الالتزام الوطني.
رعاية مستمرة لأسر الشهداء
تضطلع المديرية العامة للأمن الوطني، بتعاون مع مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، بدور محوري يتجاوز الدعم الرمزي للأرامل والأيتام، ليصبح عنصرا استراتيجيا في بناء شبكة رعاية متكاملة تحفظ كرامة الأسر وتؤمن استقرارها الاجتماعي، تخصص المنح المالية السنوية لكل ابن من أبناء الشهداء حتى إتمام دراسته الجامعية، لا تمثل دعما ماديا فحسب، بل تجسد التزام المؤسسة بضمان استمرارية الفرص التعليمية وفتح آفاق مستقبلية للأبناء، ما يترجم فعليا فلسفة الاعتراف بالتضحيات التي قدمها آباؤهم دفاعا عن الوطن، وتتوسع هذه المقاربة لتشمل تأمين شقق سكنية للأرامل في المدن التي يفضلن الاستقرار بها، بما يوفر لهن بيئة آمنة ومستقرة تتيح تربية الأبناء في كنف كرامة وطمأنينة، إضافة إلى ذلك، تتضمن البرامج منحا موسمية، دعم مالي بمناسبة عيد الأضحى، والتخييم الصيفي المجاني، لتمنح الأطفال فرصة الانخراط في أنشطة اجتماعية وترفيهية، مما يرسخ شعورهم بالانتماء ويخفف من آثار الفقد المبكر لمعيلهم، وتتحول هذه الجهود إلى ممارسة مؤسساتية متكاملة، تربط بين التكريم الرمزي والاهتمام الملموس بالأثر الاجتماعي للتضحيات، وأن رعاية أسر الشهداء مسؤولية مستمرة تتجاوز اللحظة الطارئة.
رموز الشجاعة والوفاء ذاكرة جماعية
بدءا من حادثة القنيطرة مرورا بالجرائم الإرهابية بالدار البيضاء، ووصولا إلى استشهاد الشرطي بإيموزار سنة 2025، تتضح صورة التضحية المستمرة التي يقدمها رجال ونساء الأمن الوطني في مواجهة المخاطر اليومية، ليست هذه الوقائع أحداث منفصلة، بل هي حلقات متصلة في سلسلة طويلة من التحديات التي تواجه منظومة الأمن، حيث يثبت كل عنصر من عناصر الشرطة أن الدفاع عن الوطن يتطلب تضحيات جسدية ومعنوية، وبذلك يتحول كل استشهاد إلى علامة فارقة في الذاكرة المؤسساتية والمجتمعية، إذ يجسد رجال الشرطة الوفاء بالعهد الذي قطعوه أمام الدولة والمواطنين في كل فعل وخطوة ميدانية، ويظل الإرث الذي يتركه هؤلاء الشهداء أكبر من كونهم أرقام أو أسماء في سجلات رسمية، بل نموذج حي في نكران الذات والولاء، يحاكي كل من يقف في صفوف الطلائع لحماية المجتمع، تترسخ هذه التضحيات، في ذاكرة الوطن، ولا تمثل دروسا في الشجاعة والتفاني، بل تشكل حجر الزاوية في تعزيز الثقة بين المواطنين وجهاز الأمن، وأن رجال ونساء الأمت ليسوا موظفين، بل رموز حية للالتزام الوطني، وتاريخهم يشكل مرجعا مستمرا للقيم التي تقوم عليها خدمة الوطن.
قيم خالدة في وجدان الوطن
تبقى تضحيات رجال ونساء الأمن أكبر من أن تختزل في تقارير رسمية أو لوائح إدارية، بل تشكل ذاكرة حية تنبض في وجدان أسرهم، وتستقر في وعي المجتمع كرمز حي للوطنية والتفاني، يمثل كل استشهاد درسا ملموسا في التضحية ونكران الذات، وتتطلب خدمة الوطن الالتزام الوظيفي، والاستعداد لتقديم أغلى ما يملك الإنسان دفاعا عن استقرار المجتمع وأمنه، تحمل هذه التضحيات، معاني أخلاقية وإنسانية، تساهم في الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، وأن رجال الأمن ليسوا موظفين، بل حراس قيم وركائز وطنية، وفي الوقت الذي تواصل فيه المؤسسة الأمنية رعاية ذوي الشهداء وتقديم الدعم الاجتماعي لهم، يظل الوطن مديناً لهم بجميل لا يُقاس، إذ خطّوا بدمائهم مساراً من الأمان وتركوا إرثاً من الوفاء لا ينطفئ. إن التضحيات التي قدموها تثبت أن قيم التضحية والوفاء قادرة على البقاء خالدة، ما دامت محفورة في القلوب قبل أن تُوثق في القرارات الرسمية، لتصبح مرجعية للأجيال المقبلة في تقدير الخدمة الوطنية وفهم معنى الالتزام الحقيقي بالمجتمع والوطن.













