فرحات مهني من المنفى إلى الاستقلال
أعلن فرحات مهني، رئيس حكومة القبايل بالمنفى، ضمن خطوة تصعيدية للصراع بين القبايل والجزائر، عبر بث مباشر تداولته الصفحة الرسمية لحركة “الماك”، أن الحركة حددت 14 دجنبر 2025 موعدا لإعلان استقلال القبايل بشكل أحادي، بعد انعقاد المؤتمر الاستثنائي في 19 أكتوبر المقبل.
الهوية القبايلية في المشهد الدولي
لم يكن اختيار 14 دجنبر 2025 كموعد لإعلان استقلال القبايل عشوائيا، بل جاء محملا بدلالات رمزية عميقة، إذ يرتبط بالقرار الأممي 1514 الصادر في 14 دجنبر 1960، مثل محطة مفصلية في تاريخ حق الشعوب المستعمَرة في تقرير مصيرها، لا يعد هذا التوقيت تاريخ على الورق، بل يمثل استدعاءا للذاكرة التاريخية للقبايل وربط نضالها المعاصر بإطار دولي يحمي شرعية مطالبها السياسية، وحاول مهني في هذا السياق، تحويل القرار الرمزي إلى أداة سياسية قوية، عبر ربط المشروع القبايلي بمعايير العدالة الدولية وحقوق الإنسان، ما يجسد وعي الحركة بالحاجة إلى تأسيس خطاب استقلالي يرتكز على المرجعيات القانونية والرمزية، استغل مهني موازة مع ذلك الحضور الإعلامي لترسيخ الشرعية الرمزية للقبايل خارج حدود الجزائر، من خلال الثناء على مبادرة بلدية كارايس الفرنسية التي رفعت العلم القبايلي على مبناها الرسمي، واصفا ذلك “باللحظة التاريخية”، لم تكن هذه الخطوة احتفال ثقافي، بل تجسيد ملموس للدعم الدولي المتنامي للقضية القبايلية، وتمثل محاولة لتوسيع شبكة التأييد الشعبي والسياسي بأوروبا، ودعا في هذا الإطار، أنصاره للمشاركة في “مهرجان الكتاب” بالمدينة الفرنسية في أواخر أكتوبر، لتقديم القبايل كضيف شرف، ما يوضح استراتيجية مزدوجة: استثمار الرمز والاحتفاء بالهوية الثقافية القبايلية، وبحضورها الدولي ومصداقية مشروعها السياسي.
الاستقرار يمر عبر الاعتراف بحقوق القبايل
لم يغفل مهني الإشارة إلى تصاعد حضور القضية القبايلية في الأجندة الإعلامية الفرنسية خلال الآونة الأخيرة، حيث خصصت كبريات الصحف الفرنسية منها: لوبوان وجورنال دو ديمانش مساحات واسعة لتغطية هذا الملف، ونقله من الهامش إلى دائرة الاهتمام الدولي، فلم تعد المسألة القبايلية قضية داخلية جزائرية، بل صارت موضوعا مطروحا على طاولة النقاش في فضاء إعلامي مؤثر يشكل الرأي العام الأوروبي ويوجه أجندات النخب السياسية، يوفر هذا الاهتمام المتنامي حسب مهني، سندا معنويا للحراك القبايلي، ومشروعيته في أعين العواصم الغربية، أما في قراءته للعلاقات الفرنسية الجزائرية، فقد صاغ مهني خطابا شديد الانتقاد للنظام الجزائري، معتبرا أن بنيته السياسية قائمة على افتعال التوتر مع باريس واستخدامه كورقة داخلية لشرعنة سلطته، وقد قدم في المقابل طرحا بديلا مفاده أن الاعتراف بحق القبايليين في تقرير مصيرهم يشكل السبيل الأنجع لتبديد هذه التوترات وإرساء استقرار دائم، حاول مهني من خلال هذا الطرح، ربط مصير القبايل بمعادلة أوسع تخص استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط، مقدما نفسه وحركته كطرف قادر على إعادة صياغة العلاقة بين الجزائر وفرنسا، ليس من موقع الصراع، بل من موقع الاعتراف المتبادل بالحقوق السياسية والهوية الثقافية.
من ملفات حقوقية إلى خطاب استقلالي
استهل مهني خطابه بتوظيف قضيتي الصحفي الفرنسي كريستوف غليز والكاتب بوعلام صنصال كمدخل لانتقاد النظام الجزائري، متهما إياه بالتلاعب والارتباك في إدارة ملفات ذات صدى دولي، وقد جعل من اعتقال غليز ورقة الإدانة “غياب الشفافية والانفتاح”، وأشاد مهني بالكاتب بوعلام صنصال واصفا إياه “بفولتير العصر الحديث”، في دلالة رمزية على جرأته الفكرية ونزعته النقدية، ولم يكن هذا التجسيد ثناءا أدبيا، بل يحمل رسالة موجهة إلى الغرب مفادها أن من يقف مع الصوت القبايلي، ويناصر قضيته، لمواجهة نظام يفتقر إلى ثقافة الحوار والانفتاح، وبذلك يسعى مهني إلى ترسيخ صورة رسمية عن الجزائر كدولة غير قادرة على التعايش مع النقد الحر، ما يهدف إلى استدرار مزيد من التعاطف الأوروبي مع المشروع القبايلي، أما في ما يخص الموقف السياسي المباشر، فقد ركز مهني على إبراز سلمية المشروع الاستقلالي، مانحا إياه طابعا “مدنيا” يقطع مع أي مقاربة عنيفة أو مسلحة، وإبقاء الباب مواربا أمام حوار مشروط مع الجزائر، وقد ربط مهني أن أي احتمال للتقارب مع الجزائر بإجراءات محددة، في مقدمتها إطلاق سراح المعتقلين القبايليين وإلغاء التشريعات التي يصفها بالاستبدادية، غير أن تشديده على أن إعلان الاستقلال سيكون “خيارا نهائيا لا رجعة فيه” يكشف فيه عن إستراتيجية مزدوجة: فمن جهة يحافظ على خطاب التفاوض لاستقطاب اعتراف دولي، ومن جهة أخرى يبعث برسالة واضحة مفادها أن المشروع القبايلي لم يعد مطلب رمزي، بل تحول إلى عملي لفرض الانفصال، وبهذا التوازن بين الدبلوماسية والصرامة، يسعى مهني إلى استمالة التعاطف الخارجي وتثبيت واقع سياسي جديد، حتى وإن قوبل بممانعة قوية من جانب السلطة الجزائرية.













