قرار ملكي حكيم توازن بين الشعائر الدينية
مليكة بوخاري
تجسيدا للاهتمام الملكي السامي بشؤون الدين والدنيا، وجه أمير المؤمنين، الملك محمد السادس نصره الله، أمره المطاع إلى شعبه الوفي، دعا فيه الامتناع عن أداء شعيرة عيد الأضحى هذا السنة، تأتي هذه التعليمات السامية، للظروف المناخية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، والتي أثرت بشكل مباشر على الثروة الحيوانية وزادت من تكاليف الأضحية، مما قد يثقل كاهل العديد من الأسر، وخاصة ذات الدخل المحدود.
تجسيد لقيم التيسير ومبدأ القدرة في الإسلام
إن التعليمات السامية لجلالة الملك تستند إلى التعاليم الإسلامية التي تؤكد على قيم التيسير ورفع الحرج عن المواطنين، تجسيد لمبدأ “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”، فالأضحية، في الإسلام، سنة مؤكدة وليست فريضة، مشروطة بالاستطاعة والقدرة المالية، كما جاء في قوله تعالى: “لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ”.
الحكمة النبوية في قرار الأضحية
تتجلى الحكمة النبوية في هذا القرار، حيث قال النبي ﷺ: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم”، ما يعكس أن الأضحية ليست واجبا على كل فرد، بل هي شعيرة تخضع لمقتضيات المصلحة الشرعية والقدرة المالية.
مبادرة دينية ورؤية حكيمة
يعتبر هذا القرار مبادرة دينية تعكس رؤية سياسية حكيمة للمؤسسة الملكية المواطنة، التي تراعي الظروف المعيشية لغالبية شرائح الشعب، وأيضا الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، فقد أدت الأزمات المناخية إلى الجفاف، وإلى تأثيرات سلبية على الموارد الفلاحية، مما زاد من الضغوط الاقتصادية التي أرهقت المواطنين، وهنا يبدو البعد الاجتماعي للقرار، حيث يهدف إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية، ومنع البعض من الانزلاق إلى الاستدانة بسبب الشعور بالالتزام الاجتماعي.
حماية المصلحة العامة والثروة الحيوانية
من منظور السياسة الشرعية، فإن تصرف الإمام تجاه رعيته يجب أن يكون مبنيا على المصلحة، وقرار أمير المؤمنين يستند إلى قاعدة “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، فالمصلحة العامة تستدعي حماية الثروة الحيوانية، خاصة في ظل الظروف العالمية المتقلبة بيئيا واقتصاديا.
توازن بين الشعائر الدينية والواقع الاجتماعي
علاوة على ذلك، تؤكد هذه المبادرة الملكية السامية على أهمية التوازن بين الحفاظ على الشعائر الدينية والواقع المعاش، ورغم توجيه الملك بعدم القيام بشعيرة عيد الأضحى، إلا أنه أكد على أهمية إحياء العيد من خلال الطقوس الروحانية منها: صلاة العيد وصلة الرحم، والإنفاق في وجوه الخير، مما يعكس البعد الإنساني والاجتماعي للإسلام.
مبادرة الملك تجسد القيم النبيلة
تظل القيم النبيلة منها: التراحم والتكافل حاضرة بقوة في المجتمع المغربي، كما تعكس مبادرة جلالة الملك بنحر الأضحية نيابة عن شعبه، يعكس الرمز الديني المستوحى من فعل النبي ﷺ، مما يعزز اللحمة الوطنية تنفيذا لرابط البيعة والأمانة العظمى بين القيادة والشعب.
التوازن بين الشعائر والمصلحة العامة
إن قرار جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بعدم أداء شعيرة الأضحية هذه السنة يجسد درسا في الاجتهاد الشرعي المسؤول والسياسة الحكيمة التي توازن بين الشعائر الدينية والمصلحة العامة، وتكرس مكانة المغرب كبلد ينهل من تعاليم الإسلام السمحة ويطبقها في سياقها الواقعي، بما يحقق مقاصدها الكبرى في التيسير والتكافل الاجتماعي.
التأمل التضامن ومصلحة الوطن
وفي ظل هذا التوجيه الملكي، تبقى رسالة العيد قائمة في جوهرها، لإن الأعياد في الإسلام ليست مجرد مناسبات للفرح، بل محطات للتأمل والتضامن، وهو ما يجسده هذا القرار الذي يضع مصلحة الوطن والمواطنين فوق كل اعتبار.













