مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة
خريبكة: سعيد العيدي
افتتحت فعاليات الدورة العاشرة لمهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة، المنعقدة تزامنا مع احتفالات عيد العرش المجيد، والتي ستستمر حتى 3 غشت 2025، بالمركب الثقافي محمد الخامس تحت شعار “نمشيو نتفرجو”، شهد الحفل حضورا متميزا من جمهور عشاق المسرح إلى جانب شخصيات من فنانين، منتخبين، وإعلاميين، ما يعكس متانة وترسيخ المسرح في المشهد الثقافي المحلي، أدارت فقرات الافتتاح الفنانة حسناء المومني، بينما افتتحه رسميا مدير المهرجان عبد الرزاق بن عامر، الذي وجه كلمة ترحيبية أشاد فيها بالحضور والمشاركين والمكرمين، معبراً عن شكره للشركاء والداعمين، وعلى رأسهم المجمع الشريف للفوسفاط، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، والسلطات المحلية، مؤكداً أن هذه الدورة تمثل تتويجا لعقد من الاستمرارية والعطاء في خدمة المسرح والفن.
المهرجان بين الإشعاع الثقافي والدلالة الوطنية
نوه عبد الجليل جعداوي، ممثل رئيس المجلس الترابي لخريبكة، في كلمة عكست التفاعل الإيجابي بين الفعل الثقافي والمؤسسة المنتخبة، بالأهمية المتزايدة التي بات يكتسيها مهرجان الرواد الدولي للمسرح، باعتباره محطة قارة ضمن الأجندة الثقافية للإقليم، ومكونا أساسيا في تنشيط الحياة الفنية وتوسيع دائرة التلقي والإبداع، وأكد جعداوي التزام الجماعة الترابية دعم هذه التظاهرة، باعتبارها فضاءا إشعاعيا يساهم في ترسيخ المشهد الثقافي المحلي، ويكرس دور الثقافة كرافعة للتنمية المجتمعية، وتوقف عند رمزية تنظيم الدورة العاشرة، المتزامن مع احتفالات الشعب المغربي بالذكرى 26 لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على العرش، معتبرا أن المهرجان يمنح بعدا وطنيا احتفاليا، ما يضفي على الفعل المسرحي دلالة رمزية للانتماء وتكريس ثقافة الاعتراف.
تكريم يستحضر البصمة والإبداع
جاء افتتاح الدورة العاشرة لمهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة محملا بدلالات رمزية وإنسانية، إذ لم يكن مجرد لحظة بروتوكولية، بل تحول إلى مساحة للاعتراف والاحتفاء بعطاءات فنية بصمت الساحة المسرحية والسينمائية العربية، فقد افتتح التكريم بالفنانة المغربية مونية لمكيمل، التي تسلمت درع التميز من يد رئيس المجلس الجماعي لخريبكة امحمد الزكراني، لحظة جسدت التقدير لمسارها الفني وتألقها في الأعمال المسرحية والتلفزيونية، تلاها تكريم الفنان القطري سالم المنصوري، أحد ضيوف الشرف، الذي يعد من الوجوه الوازنة في المسرح الخليجي، وقد سلمه درع التكريم رئيس المنطقة الحضرية الأولى عبد المولى الشماع، وبلغت لحظة الاعتراف ذروتها بتكريم الفنان هشام بهلول، الذي خاض مسيرة حافلة بالعطاء والتحديات، توجت باعتراف بجهوده، خاصة بعد الحادثة التي غيرت مجرى حياته الفنية، وقد قدم الإعلامي جوبير مجاهد كلمة مؤثرة في حقه، قبل أن يتسلم درع التكريم من عبد الجليل جعداوي، إلى جانب شهادة تقدير سلمها له عبد الغني الشرقاوي عن غرفة التجارة والصناعة والخدمات، مزجت هذه التكريمات بين الإعتراف الفني والبعد الإنساني، مما أعطى للافتتاح بعدا وجدانيا وجماليا، رسخ صورة المهرجان كمنصة تحتفي بالمبدعين وتثمن مساراتهم بتقدير ووفاء.
لجنة تحكيم برؤية فنية عربية
تم الإعلان عن لجنة تحكيم الدورة العاشرة لمهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة، تضم نخبة من الأسماء اللامعة في الساحة المسرحية العربية، تجسد تكاملا بين الخبرة الأكاديمية، والممارسة الإبداعية، والرؤية الفنية المتقدمة،
تستند هذه التشكيلة إلى خلفيات مسرحية متنوّعة وتجارب إبداعية غنية، تعكس حرص المهرجان على إرساء تقييم موضوعي يرتكز على معايير فنية وجمالية دقيقة، يضمن مصداقية النتائج في سياق تنافسي لتثمين الجودة والابتكار في العمل المسرحي، يترأس اللجنة المخرج المغربي أمين ناسور، المعروف بأسلوبه التجريبي ولمسته الإخراجية المتجددة التي جعلت منه أحد الأسماء الوازنة في المسرح المغربي المعاصر، وأيضا تضم اللجنة الفنانة المغربية ساندية تاج الدين، التي تشكل حضورا نسائيا في المسرح والتلفزيون والسينما، بما راكمته من أداء احترافي وحس فني يكتمل هذا الثلاثي بالفنان القطري سالم المنصوري، الذي يمثل تجربة خليجية متميزة، وحضورا مسرحيا نوعيا في الفضاء العربي، تشكل هذه التركيبة مزيجا من الرؤية الفنية الدقيقة والخبرة المتعددة المشارب، ما يمنح المسابقة مصداقية عالية، ويُعد بضمان تحكيم عادل يرتكز على معايير جمالية وفنية رصينة.
عرض استثنائي خارج المسابقة يشعل الخشبة
كان جمهور مهرجان الرواد عقب الافتتاخ الرسمي، على موعد مع عرض مسرحي خارج المسابقة بعنوان “فوضى”، قدمته فرقة جمعية الفكاهيين المتحدين للثقافة والفنون – فاس، بدعم من وزارة الثقافة، تم الإخراج للفنانة مريم الزعيمي، فيما تقمص أدواره كل من أمين ناسور، سارة ماروك، أشرف مسياح، وذكرى بنويس، ليقدموا لوحة مسرحية بصرية وجمالية متكاملة، طبعتها لمسة فنية رفيعة وأداء درامي مكثف، جعل من العرض لحظة فنية استثنائية استحوذت على انتباه المتفرجين منذ اللحظة الأولى، وقد سبق لهذا العمل أن حصد الجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للمسرح في دورته 24 بتطوان، إلى جانب جائزة الأمل وأفضل سينوغرافيا.
مسابقة دولية تجسد تنوع التجارب
تنطلق العروض المسرحية ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة بمشاركة ستة إنتاجات دولية، تجسد تنوعا غنيا في الرؤى الفنية والمدارس المسرحية، تمثل تجارب أربعة جهات جغرافية، للتعدد الثقافي والانفتاح على آفاق إبداعية كونية، ما يضفي على التظاهرة طابعا كونيا وثراءا إبداعيا، تضم لائحة العروض المتنافسة مسرحية “الأرتيست” من مصر (مركز الهناجر للفنون)، و*”EMIGRANTERNA”* من السويد (فرقة TEATERVERKET)، إلى جانب “اطلانتس” من المملكة العربية السعودية، و*”حكايات المحطات”* من سلطنة عمان، ثم “SOUPIR” لفرقة “BLANC’ART” من المغرب، و*”مريشا”* لفرقة بيت المسرح، المغرب، تفتتح العروض من 30 يوليوز إلى 2 غشت 2025، على مسرح المركب الثقافي محمد السادس، ابتداءا من الساعة الثامنة مساءا، في أجواء مسرحية تعد جمهور خريبكة بلقاءات فنية مكثفة، وتنافس محتدم على جوائز المهرجان، التي تشمل أفضل نص، أفضل إخراج، أفضل سينوغرافيا، وأفضل تشخيص في فئتي الذكور والإناث، وينتظر أن تكرس هذه الدورة من جديد حضور المسرح كمنصة للإبداع الراقي، ومرآة تعكس تنوع الثقافات والتجارب المسرحية في فضاء مسرحي مغربي واعد.
ماستر كلاس حوار بين التجربة والجمهور
تصاحب فعاليات مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة، سلسلة الماستر كلاس كإحدى المحطات التكوينية الرائدة، التي تسعى إلى إرساء جسور التفاعل الحي بين التجربة الفنية والجمهور، هذا الورش المؤطر من نخبة نجوم المسرح والتلفزيون، بإشراف المخرج المسرحي عبد الفتاح عاشق، تُخصَّص هذه اللقاءات الصباحية المفتوحة، التي تحتضنها قاعة مبادرات خريبكة، لفائدة الطلبة والمهتمين وعشاق الفن المسرحي، في إطار انفتاح المهرجان على محيطه الثقافي والتكويني، ومن المرتقب أن تشكل هذه اللقاءات التي تحييها كل من الفنانة القديرة بديعة الصنهاجي في 30 يوليوز، والفنان مالك أخميس في 31 يوليوز، والنجم يوسف الجندي في1 غشت، تشكل هذه اللحظات التعليمية والتفاعلية فرصة لتعزيز الحس النقدي لدى المشاركين وتوسيع آفاقهم المعرفية، من خلال الاحتكاك المباشر مع تجارب فنية متمرسة، مما يرسّخ دور المهرجان كفضاء لتكوين الجمهور، وتكريس المسرح كمساحة مفتوحة للتعلم، والتبادل، والإبداع.
دعم مؤسساتي للبعد التنموي للمهرجان
يحظى مهرجان الرواد الدولي للمسرح في دورته العاشرة بدعم مؤسساتي وازن، يعكس إيمان الشركاء الاستراتيجيين بأهمية الفعل الثقافي كرافعة تنموية محلية، ساهم المجمع الشريف للفوسفاط، وزارة الشباب والثقافة والتواصل، عمالة إقليم خريبكة، والجماعة الترابية للمدينة، إضافة إلى عدد من الفاعلين المؤسساتيين والخواص، لترسيخ المكانة الاعتبارية للمهرجان بوصفه مشروعا ثقافيا متكاملا، يتقاطع فيه الإبداع مع الرؤية التنموية، يكرس هذا الدعم متعدد الأطراف إدماج الثقافة ضمن السياسات العمومية، باعتبارها أداة لبناء الوعي، والانتماء، وتحقيق التنمية الشاملة عبر الفن.
عشر سنوات للمسرح وللإشعاع الثقافي
يشكل مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة، بعد عقد من التراكم والتألق، نموذجا في المشهد الثقافي المغربي، إذ يرسخ حضوره كمنصة إشعاعية تجمع بين أبعاد متعددة: عروض مسرحية دولية، لقاءات فكرية وتكوينية، وتكريم رموز الفن، لا يقتصر المهرجان على الاحتفاء بالفرجة، بل يتجاوزها لتأسيس ثقافة مسرحية حية تحفز الذوق الجمالي والانفتاح على تجارب فنية من مشارب مختلفة. تحولت خريبكة من خلال هذه الدينامية المتكاملة، إلى فضاء ثقافي نابض، وعاصمة مؤقتة للفن الرابع، حيث تتقاطع الإبداعات وتصاغ أسئلة الفن والتكوين في فضاء حواري مفتوح، يجعل من الركح أداة فعلية للإشعاع والتنوير المجتمعي.













