موسم طانطان يرسخ موقعه كجسر
يتجدد “موسم طانطان” سنويا كصوت نابض لذاكرة الجنوب المغربي، حيث تمتزج رمال الصحراء بعمق الإرث الثقافي وتتشابك القيم الحسانية مع روح الانفتاح العالمي. المنظم من مؤسسة أموكار في دورته الثامنة عشرة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، محطة استراتيجية تترجم رهانات ثقافية وتنموية بأبعاد محلية ودولية.
من تراث محلي إلى مشهد عالمي
صنفت منظمة اليونسكو موسم طانطان ضمن “روائع التراث الشفهي واللامادي للإنسانية”، لم يكن ذلك اعترافا بفن فرجوي أو طقس احتفالي عابر، بل تثمينا لنمط حياة متكاملة، أيضا يحتضن الموسم ثقافة الرحل التي لم تعد ماضيا محفوظا في المتاحف، بل منظومة قيم اجتماعية واقتصادية، تشكل اليوم أحد مفاتيح فهم العلاقة بين الإنسان والمجال في سياق متغير، يبرز هذا البعد في كلمة مدير مكتب اليونسكو للمنطقة المغاربية، إيريك فالت، الذي اعتبر أن موسم طانطان يعكس القيم التي تدافع عنها المنظمة: التنوع، والتعايش، والحوار بين الثقافات. لم يعد دعم اليونسكو للموسم رمزيا، بل اتخذ شكل مشاريع مهيكلة في مجال حماية التراث غير المادي وتثمينه كرافعة للتنمية.
موسم برؤية تنموية مندمجة
لم يقتصر الموسم استحضار الرموز الثقافية، بل بات أيضا منصة لبناء مستقبل اقتصادي مستدام للمنطقة، في هذا السياق، أكد وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، أن دعم الوزارة لهذا الحدث ينبع من رؤية تشاركية تؤمن بأن التنمية لا تنفصل عن الثقافة، ولا تنجح دون مراعاة خصوصيات المجال والإنسان، مشيرا أن استراتيجيات القطاع الفلاحي، لاسيما ضمن برنامج “الجيل الأخضر”، تهدف إلى تمكين الفلاحين ومربي الماشية من وسائل الإنتاج الحديثة، وتطوير البنية التحتية القروية، بشكل ينسجم مع التحولات المناخية والبيئية التي تعرفها مناطق الجنوب، وبهذا، يصبح الموسم فضاءا يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويمنح للتراث دورا اقتصاديا في الحاضر لا مجرد رمزية للماضي.
تلاحم ثقافي وتجذر سياسي
لم يكن نجاح الدورة الحالية من موسم طانطان نتيجة جهود تنظيمية، بل ثمرة لتكامل بين الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين، قد شدد رئيس مؤسسة “ألموكار”، محمد فاضل بنيعيش، على أن التراكم الإيجابي الذي عرفه الموسم منذ عودته قبل عشرين سنة، يعكس إرادة قوية في الحفاظ على انتظامه، وجعله مرجعية ثقافية إقليمية وعالمية.
تراث يوحّد وآفاق تتجدد
أضفى الحضور المميز للبعثات الدبلوماسية وممثلي المنظمات الدولية إلى جانب شخصيات مدنية وعسكرية رفيعة، بُعدا دبلوماسيا واضحا على الدورة، مؤكداً مكانة الثقافة كأداة استراتيجية لتوسيع آفاق التعاون وتنويع الشراكات، كما أعاد هذا الزخم إلى الواجهة عمق العلاقات المغربية الخليجية، ولا سيما مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تأسست على دعائم متينة أرساها كل من جلالة الملك الحسن الثاني والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراهما.
المرأة الصحراوية صدارة المشهد
سلط الضوء الموسم في أحد أكثر اللحظات عمقا من البرنامج، على “الشعر النسائي الحساني”، في ندوة كرست مكانة المرأة الصحراوية كحاملة للذاكرة الجماعية، وفاعلة في الحفاظ على التراث الشفهي ونقله للأجيال، لطالما كانت المرأة في المجتمعات الرحل محورا للاستقرار الثقافي، وموسم طانطان يعيد لهذا الدور الاعتبار من خلال فضاءات التعبير والتكريم.
موسم بروح المستقبل
شكلت اللوحات التراثية، وفنون الفروسية “التبوريدة” والهجن، الخلفية البصرية لهذا الموسم، لكنها لم تكن سوى واجهة لمضمون أعمق: موسم طانطان بات اليوم مرآة لتصور مغربي جديد يعتبر الثقافة رافعة تنموية، وأداة دبلوماسية ناعمة، ومجالا لتجديد العلاقة بين الدولة والمجال الترابي.
الثقافة في خدمة التنمية
تؤكد الندوات المنظمة حول الاستثمار والشراكات الاقتصادية أن الموسم تجاوز الاحتفال، ليصبح منصة عملية لربط الثقافة بالتنمية، وتكريس الاندماج بين الرؤية الوطنية والنموذج التنموي الجديد.
حين يتحول التراث إلى أفق استراتيجي
نجح موسم طانطان، بعد ثمانية عشر دورة، إلى مختبر ثقافي وتنموي، عبر الحفاظ على روح الرحل والانفتاح على رهانات العصر، استطاع أن يصوغ معادلة نادرة: التوازن بين الهوية والحداثة. وبهذا، يصبح الموسم ليس شهادة على عراقة الجنوب المغربي، بل تعبيرا حيا عن قدرة الثقافة على لعب دور مركزي في بناء مستقبل مستدام، أكثر عدلاً وإنصافا.












