موعد مفصلي لانهاء الصراع الإديولوجي
يستعد مجلس الأمن الدولي، يوم 30 أكتوبر الجاري، للتصويت على مشروع قرار يقضي بتمديد مهمة بعثة “المينورسو” لثلاثة أشهر فقط، بدل سنة كاملة كما اعتاد المجلس، يجسد هذا التعديل الزمني أكثر من كونه إجراءا تقنيا، يعد إشارة واضحة لإدراك المجتمع الدولي طبيعة المرحلة المفصلية التي يمر بها ملف الصحراء المغربية، ورغبة الأمم المتحدة في متابعة التحولات المتسارعة التي يشهدها الملف، لاستعداد الأطراف للتوجه لتسوية سياسية واقعية ومستدامة.
تحول أممي ينهي زمن الشعارات
لا يرتكز جوهر التحول في مشروع قرار مجلس الأمن المرتقب حول الصحراء المغربية في مدة تمديد بعثة “المينورسو”، بل في اللغة السياسية الجديدة التي يحملها النص، والتي تعكس تغيرا نوعيا في موقف الأمم المتحدة إتجاه الملف، فالتقرير الأخير للأمين العام، إلى جانب الصيغة النهائية التي صاغتها الولايات المتحدة، يؤكدان للمرة الأولى بوضوح أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب تشكل المرجعية الواقعية لأي تسوية سياسية ممكنة، باعتبارها الأساس العملي للتفاوض، فرغم حذف عبارة “الأساس الوحيد” من النسخة مراعاة لتوازنات دبلوماسية، لإن الاتجاه العام لا لبس فيه: طي صفحة الاستفتاء والانفصال، والانتقال لمقاربةٍ سياسية تقوم على الحل داخل السيادة المغربية.
نهاية الحرب وزمن الأيديولوجيا
لا يمكن فصل هذا التحول عن مساره التاريخي، فبعد خمسة عقود من التجاذبات الإقليمية، تقترب المنطقة من إغلاق فصل طويل من الصراع الإيديولوجي، لم يكن ميلاذ البوليساريو في سبعينيات القرن الماضي، سوى انعكاسٍ لزمن الحرب الباردة، حين كانت الجزائر الخارجة حديثا من حرب التحرير وتسعى لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر تصدير نموذجها الثوري، فوجدت في قضية الصحراء المغربية فرصة لتصفية حساب جيوسياسي مع المغرب، بدعمٍ من ليبيا وبعض الأنظمة الاشتراكية آنذاك، رفعت شعار “تقرير المصير” لتبرير مشروع هدفه الحقيقي كان كبح صعود المغرب وإضعاف موقعه في إفريقيا، لكن تغيرت قواعد اللعبة بانهيار جدار برلين وسقوط المعسكر الشرقي، وانتهى زمن الشعارات الإيديولوجية، وحل مكانه منطق المصالح والتنمية والاستقرار.
من صناعة الأزمة إلى الشهادة على نهايتها
استوعب المغرب مبكرا متغيرات السياق الدولي الجديد، فاختار أن يبني شرعيته على الفعل والإنجاز لا على الخطاب والشعارات، فحول أقاليمه الجنوبية إلى نموذج حي للتنمية المندمجة، من خلال إطلاق مشاريع كبرى بالبنية التحتية والطاقة والتعليم والموانئ، لتتحول الصحراء المغربية إلى فضاء حيوي للاستثمار والعمل بدل أن تبقى عنوانا للنزاع المفتعل، وفي المقابل، ظلت الجزائر أسيرة خطاب متجاوز يرفض مجاراة التحولات الإقليمية والدولية، وأن تجد نفسها اليوم أمام مفارقة تاريخية لافتة: فالدولة التي رعت تأسيس البوليساريو قبل نصف قرن، تجلس الآن كعضو غير دائم في مجلس الأمن، لتشهد على قرار أممي يكرس نهاية المسار الذي ساهمت في صنعه، قد تمتنع الجزائر عن التصويت أو تتحفظ عليه، لكنها لا تستطيع إنكار رمزية اللحظة، إذ يؤكد التاريخ كما قال هيغل: أنه لا يعيد نفسه إلا في شكل سخرية، فالدولة التي صنعت الأزمة، تجد نفسها اليوم شاهدة على زوالها.
نهاية الوهم وبداية الواقع
لن يكون القرار المرتقب لمجلس الأمن مجرّد إجراء تقني لتمديد مهمة بعثة “المينورسو”، بل يحمل في جوهره إعلانا سياسيا عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، قوامها الواقع والتعايش، فقد بات العالم يدرك اليوم أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب لا يشكل فقط حلا عمليا للنزاع، بل يجسد النموذج الواقعي الوحيد القادر على الملائمة بين السيادة الوطنية واحترام الخصوصيات المحلية، قد تغيّرت المعادلات، وسقطت رهانات الانفصال التي كانت تغذي أوهام الماضي، ليجد من كان يراهن عليها نفسه اليوم شاهدا على أفولها، لا ينسى التاريخ كعادته لا ينسى: إنما يسجل بدقة من أشعل فتيل الأزمة، ومن شارك، طوعا أو كرها، في إخمادها، لن تكون الكلمات ضرورية لتفسير المشهد في قاعة مجلس الأمن، حيث يدرك العالم بأسره أن زمن صناعة الأوهام قد انتهى، وأن دورة التاريخ اكتملت من اختلاق الوهم إلى الشهادة على زواله.













