نحو قضاء متخصص في الجرائم الإلكترونية وجرائم الإتجار بالبشر
الدكتور محمد رضا الله بلكبير
إن حماية الحقوق والحريات والأساسية للأفراد والجماعات والهيئات والأقليات من المقومات الأساسية للمجتمع الديموقراطي الحداثي المؤمن بأن تحقيق العدالة والمساواة والتقدم الحضاري القضاء المنصف والقوي الملتزم بالدفاع عن المبادئ الإنسانية العالمية، والمساهم في تعزيز ثقافة التعايش السلمي المشترك، والضامن للعدالة الاجتماعية والسلم المجتمعي، فالعدالة ليست عملية ميكانيكية لتطبيق القوانين بل هي ممارسة ذات بعد إنساني عميق تستلزم الحكمة والتبصر والتخصص أيضا، ومن ثم تظهر أهمية إحداث قضاء متخصص كخطوة جوهرية نحو تطوير المنظومة القضائية والتعامل مع القضايا الحساسة بفعالية وجدية حماية للحقوق الفردية والجماعية وتعزيزا للثقة في النظام القضائي وقدرته وجرأته الأدبية على التفاعل الإيجابي مع المعايير الدولية، ترسيخا لثقافة الشفافية والمساءلة في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان ومع أبعادها الجديدة، وتماشيا مع منظومة إصلاح منظومة العدالة مواكبة للتطورات القانونية والاجتماعية التي تستلزم جودة القرارات والأحكام القضائية تأكيدا أن القضاء هو الوجه الآخر لحقوق الإنسان والفاعل الرئيسي في ضمان نزاهة وشفافية عمل المؤسسات، والملاذ الآمن في مواجهة الظلم والتعسف والمؤسس لثقافة احترام القانون والامتثال له.
إن الحديث عن القضاء المتخصص ليس من باب الترف الفكري، وإنما التأكيد أنه أحد أركان الدولة الحديثة وضرورة لضمان عدالة ناجعة وفعالة تؤسس لمجتمع متماسك ومتضامن القادر على الإبداع والابتكار، مواكبة للتحولات الرقمية التي تستلزم حماية حقوق الإنسان المرتبطة بها، وكفالة للحق في المحاكمات العادلة لها، دفاعا عن الكرامة الأدمية وقدسية الحقوق الأساسية التي تحتاج إلى قضاء له الخبرة والمعرفة الدقيقة بمبادئها للفوز بالعدالة الجوهرية التي تستجيب لتطلعات المواطن بشأنه حقه في الاطمئنان عليها والتمتع بها سلوكا وممارسة عملا بماهيتها الدستورية، ووفقا للغاية من التنصيص عليها في الشرعية الدولية وباقي المواثيق ذات الصلة بها.
والأكيد أن التفكير في إحداث غرف بمحاكم المملكة متخصصة في جرائم الإتجار بالبشر والجرائم الإلكترونية على غرار غرف جرائم الأموال يشكل دعما للجهود الوطنية والدولية في مكافحة هذه الظاهرتين، استجابة لتوصيات التقارير الدولية حول حقوق الإنسان، وترسيخا لسمعة المملكة المغربية دوليا في مجال العدالة المتميزة وحماية لحقوق الفئات الخاصة الأكثر استغلالا من طرف الشبكات الإجرامية، وضمانا للعدالة الناجعة والسريعة والقادرة على مواجهة هذه الجرائم الخطيرة العابرة للحدود التي لا تمس فقط حقوق الضحايا وأمن المجتمع، وإنما تشكل عبثا بالقيم الكونية وبالمبادئ الديموقراطية، وتشكل عائقا سميكا يحول دون تحقيق الأمن والسعادة التي ليست مبادئ نظرية أو إشعارات سياسية بل هما حقوق أصيلة للإنسان ، وتندرج ضمن الأسس الجوهرية التي تبني عليها الدول الحديثة أنظمتها القانونية والسياسية والاجتماعية.
فنحن نسعى إلى التكريس الفعلي لعدالة صديقة للمرأة والطفل وللجميع تعزيزا للثقة في العدالة الجنائية، حماية فعالة للضحايا، وتحقيقا للردع ضد الجرائم المنظمة بشكل أكثر صرامة، خاصة وأن القضاء المتخصص سيشكل دعما قويا لرصدها وتتبعها وتفكيكها بفعالية أكبر يضمن عدالة أكثر انسجاما وإنصافا وملاذا للأمن والاستقرار يقينا منا أن هناك تحديات قد تواجه العمل القضائي تتمثل أساسا في طبيعة الجرائم نفسها والفئات المستهدفة والنصوص القانونية التي قد تتداخل مع جرائم أخرى مما قد يوثر على التكييف القانوني لها، سيما وأن العديد من الجرائم المرتبطة بها تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي يصعب التثبت منها، فضلا عن غياب دور المجتمع المدني في عملية التبليغ عنها، إلا أننا نؤمن أن إحداث غرف بمحاكم المملكة متخصصة في جرائم الاتجار بالبشر وغرف متخصصة في الجرائم الالكترونية تحت إشراف قضاء له الخبرة والتجربة في العمل القضائي يتمتعون بمعرفة دقيقة بالآليات القانونية الوطنية والدولية، وبفضل التكوين المستمر لهم في القانون الدولي لحقوق الإنسان الجريمة المنظمة والجرائم السيبرانية سيتحقق الإنصاف الحقيقي للضحايا والأمن الاجتماعي والسلم المدني وسنتطلع لمجتمع متماسك ومزدهر، مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، وبمقاربة جديدة تساهم في ترسيخ ثقافة مجتمعية جديدة تجعل من التصدي لهذه الجرائم مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع على حد سواء، وبرؤية حضارية متقدمة تؤكد أن القضاء مؤسسة جوهرية تضمن الحقوق والحريات وتعكس القيم الأخلاقية في المجتمع والقادر على وقف كل تهديد يمس البنيان الأخلاقي والأمني للإنسان والمجتمع ككل..”يتبع”.
محمد رضا الله بلكبير دكتور في الحقوق وأستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة












