وثائق الأرشيف تنتقل من الظل
تستعد مدريد في لحظة من تاريخها السياسي، لإغلاق فصل طويل من السرية المؤسساتية، مع اقتراب دخول مشروع قانون المعلومات المصنفة حيز التنفيذ، نال القانون المرتقب موافقة مجلس الوزراء في انتظار المصادقة عليه بالبرلمان، يمثل قطيعة قانونية مع تشريع الأسرار الرسمية المعتمدة منذ سنة 1968 إبان حقبة الجنرال فرانكو، لا يقتصر هذا التحول على تغيير إطار قانوني موروث، بل يؤسس لنقلة نوعية في طريقة إدارة الأرشيف السياسي والأمني للدولة، بما يعكس رغبة واضحة في تحديث منظومة الشفافية، والانفتاح على حقبة من المساءلة التاريخية بعد عقود من الكتمان.
قانون السرية يعيد رسم الذاكرة والعلاقات
لا يقتصر مشروع القانون الجديد المتعلق برفع السرية عن الوثائق الرسمية في إسبانيا على تحديث نص قانوني موروث من حقبة فرانكو، بل يشكل في جوهره، إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين إسبانيا ومحيطها الإقليمي، تتجاوز المضامين المرتقبة لهذا الإفراج الأرشيفي الشأن الداخلي ليطال ملفات إقليمية ودولية لطالما وضعت تحت طائلة الكتمان، ويتوقع أن يفتح المشروع الباب أمام الكشف عن آلاف الوثائق التي ظلت طي السرية لعقود، والتي توثق محطات حاسمة في التاريخ الإسباني الحديث، أبرزها محاولة الانقلاب العسكري الفاشل سنة 1981، والتحولات التي شهدتها البلاد في مرحلة الانتقال الديمقراطي، إلى جانب ملفات دقيقة ترتبط بالعلاقات الخارجية، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية، بما له من تداعيات سياسية وتاريخية في العلاقات المغربية الإسبانية، لا يُقرأ هذا القانون كخطوة في اتجاه الشفافية، بل كمفصل تاريخي قد يعيد ترتيب أولويات الذاكرة الوطنية الإسبانية، ويفتح الباب أمام إعادة بناء سرديات جديدة، داخل إسبانيا وخارجها.
قانون ينظم رفع السرية عن أرشيف إسبانيا
يتجه القانون الإسبانيالجديد، لإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة ومواطنيها في ما يخص الذاكرة التاريخية، من خلال اعتماد تصنيف زمني دقيق لرفع السرية عن الوثائق الرسمية، بما يتماشى مع المعايير المعتمدة في الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو”، وبموجب هذا الإطار الجديد، ظلت المعلومات المصنفة “سرية للغاية” قيد الحجب لمدة 45 سنة، قابلة للتمديد إلى 60 في حالات استثنائية، بينما ترفع السرية عن الوثائق “السرية” بعد 35 سنة، وعن “الموثوقة” في مدى زمني يتراوح بين سبعة وتسعة أعوام، و”المقيدة” بين أربعة وخمسة أعوام، يمثل هذا التدرج الزمنـي مسارا جديدا لعقلنة إدارة الأرشيف التاريخي، وإنهاء فوضى التعامل مع الذاكرة الرسمية، والحد من طغيان الأجهزة الأمنية على مفاتيح المعلومة، خاصة بعد نقل سلطة الإشراف من وزارة الدفاع إلى وزارة شؤون الرئاسة، إشارة سياسية واضحة للشفافية وربط الماضي بمنطق المساءلة الديمقراطية، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة من خلال مصالحة حقيقية مع التاريخ.
المغرب يترقب كشف أرشيف الصحراء
يواكب المغرب باهتمام بالغ مسار التشريع الإسباني الجديد المتعلق بالكشف عن الوثائق المصنفة، بالنظر إلى ما قد تحمله من معطيات تاريخية دقيقة حول فترة الاستعمار الإسباني للصحراء المغربية، والظروف المحيطة بانسحاب مدريد سنة 1975، إذ يرى مراقبون أن رفع السرية عن تلك الوثائق لا تشكل حدث أرشيفي، بل تمثل لحظة مفصلية لإعادة تسليط الضوء على مرحلة بالغة الحساسية في التاريخ السياسي للمنطقة، من شأنها أن تضفي مزيدا من القوة للطرح المغربي في النزاع المفتعل بالصحراء المغربية، عبر كشف دلالات قانونية وسياسية طالما جرى تجاهلها في خطاب الكيان الوهمي.
وثائق تكشف خفايا استرجاع الصحراء
يرجح أن تشكل الوثائق الإسبانية المرتقب الكشف عنها محطة مفصلية في إعادة قراءة مسار استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية، إذ يرى متابعون أن هذه الوثائق قد تزيح الستار عن طبيعة الاتصالات الثنائية والإقليمية والدولية التي رافقت ذلك التحول التاريخي، وتسلط الضوء على حجم الزخم الدبلوماسي الذي قاده المغرب لإنهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء بشكل سلمي، من خلال الاتفاق الثلاثي الموقع سنة 1975 مع مدريد ونواكشوط، رغم أن الانسحاب الإسباني موثق رسميا ولا خلاف حوله، إلا أن السياقات الخفية والتفاصيل الدقيقة التي أحاطت به، سواء داخل دوائر القرار الإسباني أو في مواقف القوى الدولية آنذاك، لا تزال طي الكتمان، ومن شأن الإفراج عن هذه المعطيات أن تعيد تركيب المشهد كاملا، وتوجه ضربة قوية للروايات لما يسمى بالكيان الوهمي الذي تعمد تجاهل الأبعاد القانونية والتاريخية العميقة للسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية.
الوثائق السرية تنعش البحث الأكاديمي
يرتقب أن يشكل الإفراج المرتقب عن الوثائق السرية الإسبانية، بعيدا عن التجاذبات السياسية والحسابات الجيوسياسية، دفعة قوية للبحث الأكاديمي الجاد، داخل إسبانيا وخارجها، لا سيما في دول الجوار المغاربي، يمثل الأرشيف الموعود بالكشف عن ثروة معرفية غير مسبوقة، طالما حجبت عن المؤرخين والباحثين خلف جدار السرية الذي فرضه قانون ما قبل دستور 1978، ينتظر رفع القيود عن هذه المواد، فتح آفاق جديدة للأوساط العلمية لإعادة تفكيك سرديات التاريخ القريب لإسبانيا، ليس من خلال الروايات الشفهية أو الاجتهادات الظرفية، بل عبر وثائق رسمية موثقة، قد تكشف المسكوت عنه، وتعيد رسم خريطة العلاقات التاريخية والسياسية بين إسبانيا وجيرانها برؤية أكثر واقعية وأقل أيديولوجيا.
وثائق الماضي تعيد صياغة الحاضر
تبادر إسبانيا لتشريع غير مسبوق، بخطى حثيثة لتفكيك إرثها الأرشيفي المغلق، بعد محاولتين سابقتين في سنتي 2011 و2014 باءتا بالفشل تحت وطأة اعتبارات سياسية وهواجس أمنية، لا يكمن الجديد اليوم في النوايا، بل في الانتقال إلى الفعل عبر إطار قانوني ملزم ومؤسساتي، يمنح هذه الخطوة بعدا تنفيذيا غير قابل للتراجع، تشرع مدريد أبواب ذاكرة الدولة على مصراعيها، ممهدة لانقلاب في علاقة الإسبان بتاريخهم القريب، ولربما في فهمهم لعلاقاتهم الخارجية، لا تقتصر الرهانات على الكشف عن وقائع داخلية مؤجلة، بل تمتد إلى إعادة تركيب المشهد السياسي في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث قد تعيد الوثائق المنتظرة رسم حدود الفهم الدبلوماسي بين إسبانيا وجيرانها، وعلى رأسهم المغرب، في علاقة ظلت محكومة بتاريخ شائك ومصالح متداخلة.














