قانون المسطرة المدنية قضاء فعال
صادق مجلس المستشارين، في جلسة تشريعية انعقدت اليوم الثلاثاء، على مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23، في محطة مفصلية تعكس تطلع المغرب إلى عدالة أكثر نجاعة وانخراطا في الرقمنة، وقد مر المشروع بتأييد 34 مستشارا وامتناع ثلاثة، دون تسجيل أي اعتراض، وهو مؤشر واضح على حجم التوافق السياسي حوله، وإن كان الحذر في بعض المواقف لا يخلو من دلالات.
عدالة في ثوب رقمي جديد
شدد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خلال عرضه لمضامين المشروع، أن النص الجديد يجسد تنزيلا متقدما لمقتضيات دستور 2011، خاصة المتعلق باستقلال القضاء وحقوق المتقاضين، لا يكتفي مشروع القانون بتعديلات شكلية، بل ينخرط في تحولات جوهرية تتماشى مع التوصيات الكبرى للنموذج التنموي الجديد، وعلى رأسها الانتقال من المحكمة التقليدية إلى المحكمة الرقمية، يبدو في هذا الإطار، أن المشرع يسعى إلى إحداث قطيعة مع البطء والتعقيد الذي يطبع العمل القضائي، عبر تقليص آجال البت، وتوسيع صلاحيات القضاة في إدارة الجلسات، وتعزيز صلاحيات الدفاع، وتيسير سبل الطعن، وهو ما من شأنه أن يعيد بناء ثقة المواطن في مؤسسة القضاء.
تحول نوعي في فصول القانون
من أبرز المراجعات التي طالت المشروع، حذف مقتضيات التغريم المرتبطة برفع الدعاوى، وهي خطوة اعتُبرت ضمانة دستورية لحق الولوج إلى القضاء دون عراقيل مالية قد تثني المتقاضين. كما تم تعزيز الضمانات المرتبطة بالاختصاص النوعي، بتنصيص واضح على ضرورة صدور حكم مستقل في حال الدفع بعدم الاختصاص، مع فتح باب الاستئناف في آجال محددة، وهي تعديلات تعكس توجها نحو تبسيط المساطر وتعزيز الأمن القضائي، أما في الجانب المرتبط باختصاص المحاكم الابتدائية، أُعيد النظر في العتبة المالية للنظر في القضايا، حيث تقرر أن تختص ابتدائيا وانتهائيا في القضايا التي لا تتجاوز عشرة آلاف درهم، مع ضمان إمكانية الاستئناف لما فوق ذلك، ما يعزز عدالة أكثر إنصافا ومرونة.
القاضي من حَكَمٍ إلى مدير للنزاع
تحول آخر لافت هو إقرار آليات جديدة يمكن القاضي من لعب دور أكثر فاعلية في إدارة الدعوى، ومن بين ذلك إمكانية إنذار الأطراف لتصحيح المساطر، والأمر بالإدلاء بالوثائق، والحضور الشخصي للأطراف، في توازن دقيق بين حياد القاضي وفعاليته، وقد رُحب بهذه الخطوة كتحول من دور القاضي الى فاصل في النزاع إلى فاعل يُساهم في إظهار الحقيقة.
دور الدفاع تثبيت الاعتبار المهني
لم يغفل المشرع تعزيز مكانة المحامي، مؤكدا على تمثيله للأطراف حتى في الدعاوى التي تطبق فيها المسطرة الشفوية، ما يبرز وعي المشرع بضرورة تمتين مبدأ المواجهة والحقوق المتساوية بين الأطراف، كما أن تيسير تقديم الطعون عبر أي صندوق محكمة، مع الإرسال الفوري إلى المحكمة المختصة، يشكل نقلة نوعية في الرقمنة وتقليص الهدر الزمني.
من الرقمنة إلى التمكين القضائي
حضرت الرقمنة كخيط ناظم في معظم فصول القانون، سواء عبر الدعوة لإحداث منصات إلكترونية للتواصل بين الفاعلين القضائيين، أو من خلال الدفع نحو تسريع وتيرة إنشاء المحكمة الرقمية، هذه الملامح لا تعكس فقط تطورا تقنيا، بل رؤية استراتيجية لتحديث العدالة وتوسيع دائرة الاستفادة منها.
إجماع وطموح إصلاحي
أبرزت مداخلات أعضاء المجلس إجماعا على أهمية القانون، باعتباره ركيزة أساسية في الإصلاح القضائي وملائمة المنظومة القانونية مع الدستور، واعترافا ضمنيا بأن الأزمة القضائية ليست أزمة نصوص بقدر ما هي أزمة تنزيل وإرادة، غير أن هذا التفاؤل لم يخل من التنبيه إلى تحديات التطبيق، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية الرقمية ببعض المحاكم، والنقص في التكوين المستمر للأطر القضائية.
قانون برؤية متقدمة
لا يعد مشروع قانون المسطرة المدنية الجديد فقط تعديلا تقنيا، بل رؤية متكاملة لعدالة مغربية حديثة، تراهن على النجاعة، الإنصاف، والرقمنة، غير أن نجاحه سيبقى مرتهنا بمدى جاهزية البنية القضائية، واستعداد الفاعلين للتغيير، وحسن تنزيل المقتضيات القانونية على أرض الواقع، فالرهان اليوم لم يعد على النصوص، بل على قدرة المؤسسات لترجمتعها إلى ممارسات فعالة واستباقية على أرض الواقع.












