هل يشكل التقارب المغربي الموريتاني؟
مليكة بوخاري
تسعى الجزائر في سياق إقليمي تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، إلى إعادة تشكيل مواقف دول الجوار بما ينسجم مع سرديتها في النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، وذلك عبر تحركات دبلوماسية مكثفة تتخذ طابع التعاون الظاهري، فيما تخفي في جوهرها محاولات توجيه مواقف دول معنية، تتجلى هذه الاستراتيجية في سلسلة من اللقاءات الثنائية، آخرها اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بنظيره الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، على هامش الدورة 51 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة في إسطنبول.
التقارب يثير قلق النظام الجزائري
يجسد هذا اللقاء لوزيري خارجية الجزائر وموريتانيا دلالات سياسية واضحة، لا سيما في ظل توقيته الحساس وسياقه الإقليمي المتسارع بالتقارب المغربي الموريتاني، الذي بدأ يكتسب طابعا استراتيجيا متقدما، ما أثار حفيظة الجزائر التي ترى فيه تحولا يهدد توازنات كانت تراهن عليها في المنطقة، تأتي في هذا الإطار، التحركات الدبلوماسية الجزائرية المكثفة كمحاولة لاحتواء هذا المسار المتصاعد، والحد من امتداد تأثيره في المعادلة المغاربية، تعتبر هذه الخطوات كجزء من محاولة واضحة لتليين الموقف الموريتاني المتزن، الذي إلتزمت به نواكشوط منذ سنوات عبر تبني نهج الحياد الإيجابي، ورفض الانجرار إلى محاور الاستقطاب الإقليمي في نزاع الصحراء، وقد منح هذا الموقف لموريتانيا هامش الاستقلالية الدبلوماسية، وأتاح لها الحفاظ على علاقات متوازنة مع طرفي النزاع، في سياق إقليمي يتطلب قدرا عاليا من الحكمة والتوازن.
شراكة تثير قلق الجزائر
شهد اللقاء البروتوكولي الذي جمع بين وزيري خارجية الجزائر وموريتانيا، والذي وصف رسميا بأنه مخصص لتعزيز علاقات الأخوة والشراكة، إلا أن قراءته السياسية لا تنفصل عن سياق إقليمي دقيق يشهد تصاعدا لافتا في وتيرة التنسيق المغربي الموريتاني، يعكس هذا التقارب الثنائي، المدعوم بمشاريع استراتيجية ومصالح أمنية وتنموية مشتركة، تموقع واضح لنواكشوط إلى جانب الرباط كشريك موثوق في مواجهة التحديات المعقدة التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء، وفي المقابل، تجد الجزائر نفسها في موقع دبلوماسي متراجع، بعد توتر علاقاتها مع عدد من العواصم الإفريقية وتراجع نفوذها الإقليمي، ما يدفعها إلى توسيع تحركاتها ومحاولة التأثير في مواقف دول الجوار، وعلى رأسها موريتانيا، غير أن نواكشوط تواصل انتهاج سياسة الحياد الإيجابي، رافضة الانخراط في منطق الاصطفاف الإيديولوجي، متمسكة بخيار الواقعية السياسية الذي يضمن لها هامش مناورة أوسع في علاقاتها الخارجية ويحفظ مصالحها الاستراتيجية في منطقة شديدة الهشاشة والتعقيد.
خطاب أحادي للإجماع الدولي
تستغل الجزائر المحافل الإقليمية والدولية لإقحام ملف الصحراء المغربية في أجنداتها، متجاهلة التحولات العميقة في منطق العلاقات الدولية، وعلى رأسها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، يكشف هذا الإصرار عن نهج دبلوماسي يتعارض مع قواعد القانون الدولي والتوجه العام لتسوية النزاعات على أسس توافقية تحترم الحدود الوطنية المعترف بها دوليا، وقد ورد في البيان الختامي للدورة 51 لمنظمة التعاون الإسلامي، حيث نص بوضوح في فقرته 23 على ضرورة احترام وحدة الدول الأعضاء وسيادتها، في رسالة ضمنية تناقض المساعي الجزائرية لفرض رواية أحادية بشأن النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، يعكس هذا التناقض بين الخطاب الجزائري ومواقف الهيئات الدولية حول تراجع فاعلية الدبلوماسية الجزائرية على الساحة الإقليمية، في المقابل تزايد ترسيخ الموقف المغربي، بأسس قانونية ومرجعيات دولية واضحة تعزز شرعيته وتكسبه مزيدا من الزخم.
موريتانيا والمغرب شراكة تتجاوز التقليدي
تواصل موريتانيا إدارة علاقاتها الإقليمية بقدر عالٍ من الحنكة الدبلوماسية، معتمدة سياسة توازن دقيقة بين إرثها التاريخي مع الجزائر، وشراكتها المتنامية مع المغرب. لا يُعد هذا التمركز المتوازن حياد شكلي، بل يجسد نهجا استراتيجيا مرنا يضع المصالح الوطنية في صلب الاعتبار، ويكرس استقلالية القرار الخارجي في محيط مغاربي بالغ التعقيد والحساسية، وقد تجاوز التعاون المغربي الموريتاني نطاق المجاملات السياسية أو الأطر التقليدية، ليتحول إلى شراكة استراتيجية ذات بعد مؤسساتي، تتجلى في مشاريع كبرى مثل أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، ومبادرة الرباط لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي. كما اتسعت دوائر التعاون لتشمل مجالات حيوية كالأمن والدفاع والاقتصاد، في مؤشر واضح على أن نواكشوط تراهن على شراكة بناءة مع المغرب كخيار استراتيجي ينسجم مع متطلبات التنمية والاستقرار الإقليمي.
موريتانيا تختار التوازن الاستراتيجي
تحاول الجزائر استنساخ نمط الضغط السياسي الذي مارسته سابقا على تونس، في محاولة لتليين المواقف الإقليمية تجاه قضية الصحراء المغربية، غير أن نواكشوط تبدو أكثر دراية في قراءة المشهد، إذ تبدي قدرا من الوعي السياسي يسمح لها بالتموقع في صلب التحولات الإقليمية دون الانجرار إلى محاور إستقطاب تجاوزها الواقع، يعكس هذا الوعي إدراكا متزايدا لدى صناع القرار الموريتانيين بأولوية المصالح الوطنية على الانخراط في أجندات خارجية لا تخدم استقرار المنطقة، ويبدو أن موريتانيا اختارت نهج شراكة عقلانية مع مختلف الأطراف، وعلى رأسها المغرب، من حيث اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى بين وزيري خارجية البلدين، إلى جانب القمم التي جمعت الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالعاهل المغربي الملك محمد السادس، تعكس هذه الدينامية توجها دبلوماسيا يقوم على مراعاة التوازن دون التفريط في المكاسب، وعلى بناء علاقات استراتيجية تراهن على المستقبل والتنمية بدل الخلافات الإيديولوجية والتاريخية.
تقارب المصالح لا منطق الاصطفاف
لم يعد منطق الاصطفاف الإيديولوجي أو افتعال الأزمات يجدي نفعا في المنطقة المغاربية، حيث باتت التحديات المشتركة تفرض التحول نحو رهانات التنمية والتكامل الإقليمي، هذا التحول تدركه جيدا نخب موريتانية فاعلة، ترى في الشراكة مع المغرب خيارا استراتيجيا يحقق مكاسب سياسية واقتصادية تتجاوز الاعتبارات الظرفية أو الحسابات الضيقة، وفي ظل دينامية التعاون المتصاعد بين الرباط ونواكشوط، يبدو من الصعب أن تنجح أي محاولات ظرفية في التأثير على مسار الشراكة التي تأخذ طابعا مؤسساتيا متينا، وأضحت موريتانيا، بحساباتها الواقعية، تنظر إلى المغرب كحليف موثوق في زمن تتراجع فيه فعالية الخيارات التقليدية التي تروج لها الجزائر، المنفصلة عن منطق العصر ومقتضيات المرحلة.
بين الحياد والتكامل المغاربي
تبرز موريتانيا كفاعل دبلوماسي متزن في خضم تجاذبات إقليمية معقدة، تجسد عنصر التوازن والاستقرار في منطقة الساحل والمغرب العربي، استطاعت بنهجها الحيادي المدروس وابتعادها عن الاصطفافات الحادة، أن تحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، رافضة الانخراط في نزاعات لا تخدم مصالحها الاستراتيجية، ولا تساهم سوى في تعميق الانقسام وتعطيل مسارات التعاون الإقليمي، حيث يبقى الرهان الحقيقي معقودا على حلول تنموية مشتركة لتعزيز التقارب جنوب–جنوب وتفعيل آليات التكامل المغاربي كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتصاعدة، خيار ينسجم مع تطلعات شعوب المنطقة في الاستقرار والازدهار، ويضع أسسا جديدة لعلاقات مبنية على المصالح المتبادلة بدل الحسابات الإيديولوجية الضيقة.












