الجامعة المغربية بين الأعطاب الصامتة والفرص المجمدة

Jan 30, 2026 /

الجامعة المغربية بين الأعطاب الصامتة

حكيمة القرقوري

سلط وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، الضوء في مداخلته على أحد أبرز الإشكاليات البنيوية التي تواجه منظومة التعليم العالي بالمغرب، مؤكدا أن أزمة التمويل التي تواجهها الجامعات لا ترتبط في جوهرها بندرة الموارد، بل بفشل في تفعيل الآليات المؤسسية الكفيلة بتوسيع قاعدة التمويل وتنويعه.

الجامعة تحتاج فعلا لا وعودا
أوضح ميداوي خلال مشاركته في جلسة علمية ضمن فعاليات الدورة الثانية للجامعة الصيفية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن البرنامج الاستعجالي للتعليم العالي قد وضع تصورا واضحا لتجاوز هذا النقص، من خلال الانفتاح على الشراكات الدولية، وترسيخ روابط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، غير أن هذه التوجهات ظلت في أغلبها حبرا على ورق، ما أدى إلى استمرار الجامعات في الاعتماد شبه الكامل على التمويل العمومي، دون تفعيل حقيقي لمصادر تمويل بديلة أو مستدامة، واعتبر الوزير أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب قبل كل شيء إرادة فعلية لتطبيق ما هو منصوص عليه في السياسات العمومية، وربط استراتيجيات الإنفاق بالقدرة على استقطاب وتوظيف الموارد وفق مقاربة منفتحة وفعالة، تتجاوز التدبير التقليدي وتراهن على التموقع الجديد للجامعة كمحرك للتنمية لا كمجرد مؤسسة تعليمية.

انعدام الرؤية تعمق أزمة التمويل
أفصح وزير التعليم العالي، عز الدين ميداوي، في تقييم نقدي لأداء المؤسسات الجامعية، عن مفارقة صارخة بين وفرة الإمكانات المتاحة نظريا، وضعف استثمارها فعليا على أرض الواقع، موضحا أن الاستراتيجيات التي نص عليها البرنامج الاستعجالي، والرامية إلى تنويع مصادر التمويل عبر الانفتاح على الشراكات الدولية والتفاعل مع النسيج الاقتصادي، بقيت مجرد وثائق مؤجلة التنفيذ، ما أدى إلى تجميد فرص حقيقية لتوسيع قاعدة الموارد الذاتية للجامعات، لم يحمّل الوزير ضعف الميزانيات بل وجه بوصلة النقد لمسؤولية والإخفاق وغياب التخطيط المحكم والرؤية الاستباقية داخل المؤسسات الجامعية، مشيرا إلى أن أقل من نصف الميزانية المرصودة يتم توجيهها إلى الاستثمار، في مؤشر واضح على حد تعبيره على خلل في تدبير الموارد المتاحة.

الإصلاح رهين بحسن التدبير
شدد الوزير عز الدين ميداوي في لهجة صريحة تعكس إدراكا عميقا لمسؤوليات المنظومة من الداخل، على أن نجاح أي إصلاح جامعي يظل مرهونا بفعالية العنصر البشري، مبرزا أن رئاسة الجامعة تضطلع بدور محوري في قيادة التحول المنشود، ولم يتردد في توجيه انتقاد مباشر لبعض المؤسسات الجامعية التي تلوح أمام البرلمان بأزمة موارد أو تطالب بزيادات مالية، في وقت لم تثبت فيه بعد كفاءتها في تدبير ما هو متاح من ميزانيات بشكل ناجع، وأكد ميداوي أن الأولوية ينبغي أن تمنح لإرساء أسس حكامة جيدة قادرة على تعبئة الموارد الذاتية وتحقيق الاستدامة المالية، داعيا إلى تجاوز عقلية التذمر من محدودية الإمكانيات، والانخراط بدل ذلك في دينامية تدبيرية ترتكز على الابتكار وربط الإنفاق بالأثر الملموس، لا على المطالبة بالمزيد من الدعم.

التعليم العالي بين الهيكلة والفعالية
توقف وزير التعليم العالي، عز الدين ميداوي، عند اختلالات المنظومة الجامعية، وما أسماه “بالإكراهات الصامتة”، في إشارة إلى أعطاب بنيوية عميقة تهدد فعالية التعليم العالي وتضعف مخرجاته، أشار الوزير في مقدمة هذه التحديات، الارتفاع المفاجئ في عدد الطلبة، الذي فاق الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الجامعية، وأسفر عن اكتظاظ حاد في القاعات، واختلال في نسب التأطير البيداغوجي، فضلا عن هشاشة في البنية التمثيلية داخل الهياكل الجامعية، ما أفرز حالة من القصور المؤسساتي يصعب معها تحقيق جودة تعليمية فعلية، وأوضح ميداوي، غياب قاعدة معرفية دقيقة ومُحدّثة لقياس مدى ملائمة مخرجات الجامعة مع متطلبات سوق الشغل، لأن المغرب لا يتوفر سوى على دراستين اثنتين بهذا الخصوص: الأولى صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط سنة 2024، والثانية عن هيئة التقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين سنة 2021، أرقام هاتين الدراستين جاءت صادمة، إذ بلغ معدل الهدر الجامعي 45 في المئة، بينما وصلت البطالة في صفوف خريجي التعليم العالي إلى 24.6 في المئة، في وقت تأثر فيه المسالك ذات الاستقطاب المفتوح بـ72 في المئة من المسارات الجامعية، وهي مسالك لا تضمن للطلبة مسارات اندماج مهني واضحة، ما يعمّق الفجوة بين الجامعة وسوق الشغل، ويطرح أسئلة ملحة حول جدوى النموذج الأكاديمي المعتمد.

إصلاح جذري يربط الجامعة بالتنمية
سلط وزير التعليم العالي، عز الدين ميداوي، الضوء على عمق الأزمة التي تشهدها الجامعة المغربية، لتفشي ظاهرة “الطلبة الأشباح”، مشيرا إلى أن نسبة معتبرة من المسجلين في مؤسسات التعليم العالي لا تربطهم علاقة فعلية بالحياة الجامعية، إذ يلجون الى هذه المؤسسات بغرض الاستفادة من المنح أو لأغراض إدارية مرتبطة بالتكوين المهني، دون التزام فعلي بالمسار الأكاديمي، وكشف الوزير، بلغة الأرقام، أن نحو 40 في المئة من الطلبة لا يجتازون الامتحانات، فيما يغادر ما بين 30 و35 في المئة قاعات الامتحان بعد أقل من نصف ساعة من بدايته، ما يعكس خللا سلوكيا ومؤسساتيا يفرغ العملية التعليمية من محتواها الحقيقي، واعتبر ميداوي أن هذه المظاهر ليست معزولة أو طارئة، بل ترتبط بسلسلة من الاختلالات المتجذرة داخل المنظومة التربوية ككل، داعيا إلى إصلاح جذري يتجاوز منطق التدبير البيروقراطي، وينتقل إلى نماذج ترتكز على تقييم الأثر التنموي للإنفاق العمومي على التعليم، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، كشرط أساسي لاستعادة الجامعة لدورها الحيوي كرافعة للتنمية وبناء المستقبل.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×