تصنيف أوروبي يضع الجزائر أمام اختبار
أعلنت المفوضية الأوروبية عن تحديث موسع لقائمة الدول والمناطق المصنفة عالية المخاطر في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقد تصدرت الجزائر هذه اللائحة، في مؤشر واضح على تنامي القلق الأوروبي إزاء فعالية منظومتها الرقابية ومدى التزامها بالمعايير الدولية، لا يقتصر هذا التصنيف على تداعيات رمزية، بل يضع البلاد فعليا تحت مجهر المؤسسات المالية العالمية، التي أصبحت تتعامل بمزيد من التحفظ مع الأنظمة التي تبدي ثغرات تنظيمية في مجال مكافحة الجريمة المالية.
تصنيف يكشف هشاشة النظام
لم يعد التصنيف الأوروبي للدول عالية المخاطر في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب إجراء تقني أو بروتوكول إداري، بل بات رسالة سياسية ومالية صارمة تشير إلى أن التساهل مع ثغرات الرقابة المالية لم يعد مقبولا في النظام الاقتصادي العالمي، يستند هذا التصنيف بشكل مباشر إلى توصيات مجموعة العمل المالي الدولية “GAFI”، ما يمنحه طابعا ملزما ومصداقية مؤسساتية عالية، وقد شمل التحديث الأخير دولا منها: كوت ديفوار، أنغولا، كينيا ولبنان، وفي مقابل إخراج دول أخرى من القائمة، من بينها الإمارات العربية المتحدة، السنغال، وبنما، انعكاس واضح في درجات الالتزام بالإصلاحات والامتثال للمعايير الدولية المعتمدة في مكافحة الجريمة المالية عبر الحدود.
تصنيف يهدد جاذبية الاستثمار
يترتب الانضمام إلى قائمة الدول عالية المخاطر كلفة اقتصادية باهظة لا يمكن تجاهلها، إذ تلزم المؤسسات المالية الأوروبية، بموجب هذا التصنيف، تطبيق إجراءات تحقيق صارمة تشمل تدقيقا معمقا في المعاملات المالية الواردة من الدول المعنية، يؤدي هذا الوضع بطبيعة الحال إلى بطء في وتيرة العمليات المصرفية وتعقيد في الإجراءات التجارية، ما يضعف من تنافسية الاقتصاد المعني، إلى جانب ذلك، يلحق التصنيف ضررا مباشرا بسمعة الدولة على الساحة المالية الدولية، من خلال التأثير السلبي على تصنيفاتها الائتمانية وتقليص جاذبيتها في نظر المستثمرين، ويعد هذا التحدي أكثر حدة بالنسبة للدول النامية كالجزائر، التي تعول على التدفقات الاستثمارية الأجنبية لتمويل مشاريعها الحيوية وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
تحديات الإصلاح واستعادة الثقة
يشكل إدراج الجزائر في قائمة الدول عالية المخاطر نقطة فاصلة تتطلب اتخاذ خطوات حاسمة على المستويين الداخلي والخارجي، تبرز الحاجة الملحة داخليا إلى تحديث الإطار التشريعي والمؤسساتي للرقابة المالية، واستقلالية الجهات المختصة، بالإضافة إلى تبني نظم متطورة وفعالة لرصد وتتبع مصادر الأموال المشبوهة، وتواجه الجزائر خارجيا تحديا أكبر يتمثل في استعادة ثقة الشركاء الأوروبيين والدوليين، في ظل بيئة اقتصادية عالمية صارمة لا تتسامح مع أي تقصير في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
إرادة الإصلاح سبيل الخروج من القائمة
تبدي التجارب الدولية أن الخروج من القائمة الأوروبية للدول عالية المخاطر ليس أمرا مستحيلا، بل يرتبط بشكل مباشر بتوفير إرادة سياسية قوية واستراتيجية إصلاح شاملة، تشمل هذه الاستراتيجية تحديث الأطر الرقابية والشفافية المؤسساتية، ما يمكن الدول من تصحيح مسارها واستعادة ثقتها ومكانتها على الساحة الدولية عبر الالتزام الفعلي بتوصيات الهيئات المختصة، وفيما يتعلق بالجزائر، فإن الوضع الحالي يستوجب تجاوز المراوغات والردود الشكلية، والانخراط في تحول جذري يرتقي بحوكمة القطاع المالي ويرسخ مصداقيتها أمام شركائها الدوليين.
الجزائر تحت مجهر الرقابة والمساءلة
يأتي هذا التصنيف في ظل تحولات دولية متسارعة تركز على ترسيخ الشفافية والتعاون لمواجهة التدفقات المالية غير المشروعة، مع تصاعد صرامة الاتحاد الأوروبي في التعامل مع التقصير الرقابي، إدراج الجزائر لإصلاح شامل وجذري، يتجاوز التوجيه أو النقد، يضعف هذا المؤشر موقف الجزائر التفاوضي ويعيق اندماجها الفعّال في الأسواق المالية العالمية. اليوم، لم يعد المطلوب اليوم الامتثال، بل إعادة بناء علاقة الدولة مع النظام الاقتصادي الدولي على أساس الشفافية والرقابة والمساءلة.













