هل أصبح الحديث عن الذاكرة التاريخية جريمة بالجزائر؟

Jan 30, 2026 /

هل أصبح الحديث عن الذاكرة؟

مليكة بوخاري

شهدت أروقة القضاء الجزائري محاكمة تخرج عن الإطار المألوف، لا تتعلق بملف فساد أو إرهاب أو خرق قانوني واضح، بل بقضية رأي تتقاطع مع التاريخ والهوية الوطنية، إنها محاكمة لكلمة، ولرواية تاريخية لا تتماشى مع الخطاب الرسمي للنظام الجزائري.

ذاكرة خارج الخط الأحمر
شكل الروائي بوعلام صنصال أحد أبرز الأصوات في المشهد الثقافي المغاربي، وجد نفسه اليوم أمام القضاء، لا بسبب جرم جنائي، بل لأنه تجرأ على الخوض في ذاكرة تاريخية موثقة، حين صرح بأن الصحراء الشرقية كانت، في مراحل سابقة، جزءا من الأراضي المغربية، تصريح تلقاه القضاء الجزائري لا كقراءة تاريخية قابلة للنقاش، بل “كتهديد لوحدة الجزائر”، ما اعتبر مبررا كافيا للملاحقة والمحاسبة، لم تعد القضية محصورة في شخص صنصال، بل تحولت إلى مواجهة مع كل محاولة لإعادة سرد التاريخ خارج الإطار الرسمي، الذي تصر عليه الجزائر وعلى تأطيره بمنطق أحادي، يرفض التعدد ويجرم الاختلاف.

صراع النظام الجزائري مع التاريخ
لم يكتف النظام العسكري الجزائري بالرد أو التوضيح أو حتى بخوض معركة سردية مضادة، بل اختار استخدام أدوات الدولة الأكثر حدة: القضاء والتجريم القانوني، فبدلا من فتح نقاش مفتوح أو الرد عبر القنوات الدبلوماسية، صدر في حق الروائي بوعلام صنصال حكم ابتدائي بالسجن خمسة سنوات، تلاه تأييد استئنافي في الأول من يوليوز الجاري، بتهمة فضفاضة وشديدة التسييس: “المساس بالوحدة الوطنية” تهمة طالما استخدمت لتكميم الأفواه التي تتجاوز الرواية الرسمية أو تزعج مركز القرار، تطرح قضية صنصال مفارقة لافتة: عبر الرجل علنا عن دعمه لإسرائيل، بل وزار تل أبيب في خضم التوترات الإقليمية، لم تحدث أي ملاحقة أو مساءلة في حقه، لكنه اليوم يحاكم لأنه عبر عن رأي يستند إلى وقائع تاريخية موثقة بشأن الصحراء الشرقية المغربية، مما يثير تساؤلات جدية: هل أصبحت الحقائق التاريخية بمثابة خطوط حمراء يمنع الاقتراب منها؟ أم أن النظام الجزائري يخوض صراعا داخليا مع ذاته، يخلط فيه بين التعبير الحر والتخوين، وبين السرد الأكاديمي والتهديد السياسي؟

خط النظام الجزائري لا يحتمل الإختلاف
لا يكمن وقع محاكمة بوعلام صنصال في الحكم القضائي بل في السياق السياسي والقانوني الذي أُحيطت به، فقد استندت المحكمة إلى المادة 87 من قانون العقوبات الجزائري، مادة أُعدت في الأصل لمكافحة الإرهاب، لكنها تحولت تدريجيا إلى أداة مرنة بيد النظام تستخدم لإسكات الأصوات الحرة، حتى ولو اقتصر الأمر على رأي أدبي أو تحليل تاريخي في ندوة فكرية، ومن خلال هذا الاستخدام الملتبس للقانون، يتضح أن شعار “الوحدة الوطنية” لم يعد مجرد مظلة رمزية لحماية التماسك الداخلي، بل بات يوظف كذريعة قانونية لإقصاء كل من يبتعد عن الخط السياسي الرسمي، حتى وإن لم يمارس تحريضا أو انتهاكا فعليا، هذا يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى هذا “التحصين السياسي” إذا كان يمارس على حساب حرية الرأي والاجتهاد الأكاديمي، فهذه المفارقة في التشدد لا تطبق على الجميع، ويلاحق فيها مثقف بسبب تصريح تاريخي موثق، بينما يفتح المجال في الإعلام والفن لشخصيات تروج علنا للتطبيع مع إسرائيل دون أن تطالها المساءلة، لم تعد ازدواجية المعايير تفصيلا عرضيا، بل أصبحت مؤشرا واضحا على خلل بنيوي في منهجية الحكم، حيث تحدد حدود المقبول والمرفوض بناءا على اعتبارات سياسية ظرفية، لا على مرجعيات قانونية واضحة أو معايير موضوعية منضبطة.

المعرفة جريمة سياسية تحرج النظام الجزائري
لم يأت بوعلام صنصال بجديد من الناحية الأكاديمية، فالقضية التي أثارت الجدل مسألة الصحراء الشرقية ومسارات ترسيم الحدود في مرحلة ما بعد الاستعمار الفرنسي ليست سرا دفينا، بل موثق في الأرشيفات، ومؤكدة من شهادات قادة ومؤرخين، بينهم جزائريون، غير أن ما يبدو أنه استفز النظام العسكري الجزائري، ولم يكن مضمون التصريح بقدر ما كان توقيته وسياقه، بات في ظل تصاعد التوترات مع المغرب بشأن ملف الصحراء، كل صوت يخرج عن السردية الرسمية عرضة للإسكات، حتى وإن صدر عن كاتب مرموق أو مثقف مستقل، تكشف محاكمة صنصال أن المواجهة بين الجزائر والمغرب لم تعد حكرا على الجبهات الدبلوماسية أو الأمنية، بل امتدت إلى جبهة الرموز والسرديات، حيث تعد أي إشارة إلى مغربية الصحراء حتى لو جاءت في سياق توثيقي أو تحليل تاريخي بمثابة اعتداء على “الوحدة الوطنية”، يستوجب العقاب، وحين تتحول الوقائع التاريخية إلى تهم، تتجاوز القضية حدود شخص أو تصريح، لتصل إلى صلب الحريات العامة، وتهدد الحق في التفكير والتعبير وقراءة التاريخ بحرية، يبرز عند هذه النقطة،السؤال الجوهري: ما الذي يسعى إليه النظام العسكري حمايته؟ هل وحدة وطنية هشة تتزعزع أمام رأي مخالف؟ أم موقف سياسي مضطرب يخشى افتضاح هشاشته أمام الحقائق الموثقة؟

وحدة سياسية ورؤية تاريخية
برز في المقابل الموقف المغربي نموذج لانسجام الرؤية السياسية إتجاه قضية تعد من صلب السيادة والهوية الوطنية، رغم تباين المرجعيات الحزبية واختلاف التيارات داخل المشهد السياسي المغربي، فإن الإجماع كان واضحا في دعم الحق التاريخي للمملكة المغربية على صحرائها، ورفض كل الروايات البديلة التي تروج إقليميا، سواء عبر أدوات دبلوماسية أو عبر محاكمات رمزية تستهدف أصواتا فكرية مستقلة، حيث أشار بوعلام صنصال إلى هذا المعطى، مشيدا بما وصفه “بالنضج السياسي” و”الوعي التاريخي” الذي يميز المقاربة المغربية في إدارة الملف الترابي، المستند إلى وثائق تاريخية ومواقف دولية راسخة، لا إلى شعارات خطابية أو محاولات استثمار سياسوي، ليست الصحراء المغربية، شرقا وجنوبا، مجرد نقطة نزاع، بل امتداد عضوي لهوية حضارية تعود إلى ما قبل المرحلة الاستعمارية، أما محاولات الجزائر فرض سردية مغايرة عبر أدوات الضغط والتجريم، فلا تؤدي سوى إلى تعميق التباعد، وإبراز التناقضات البنيوية في خطابها الرسمي.

خمسة سنوات سجنا بسبب تصريح تاريخي
ليست محاكمة بوعلام صنصال سوى فصل من صراع أعمق يتجاوز حدود قاعة المحكمة، ليمس جوهر المعركة الدائرة حول السرد التاريخي، والهوية، وحق المجتمعات في قراءة ماضيها بعيدا عن وصاية السلطة وتوجيهاتها. ومع تنامي هذا النهج القمعي، تصبح مسؤولية النخب الثقافية والفكرية في الجزائر وخارجها أكثر إلحاحا، لبناء جبهة ثقافية فاعلة، لا تدافع عن شخص صنصال فحسب، بل عن مبدأ حرية التعبير وحق التاريخ في أن يروى كما هو، لا كما تريده الرواية الرسمية، ولن يكون مجديا الاكتفاء بردود سياسية أو إعلامية آنية، بل المطلوب تحرك ثقافي عميق ينتج سرديات بديلة تستند إلى الحقائق والوثائق، وتفكك الخطاب الرسمي القائم على طمس الوقائع وإعادة هندسة الذاكرة الجماعية،وإن تحولت المحاكمات إلى أدوات رمزية لتأديب الأصوات الخارجة عن النص في معركة ترتبط بالحدود والسيادة، فإن الرد يأتي من الضفة الأخرى للمعرفة: من البحث العلمي، ومن التوثيق النزيه، ومن السرديات الراسخة التي لا تنجر إلى الانفعال، بل تشتغل على المدى الطويل لتفكيك التناقضات وتصحيح المفاهيم المغلوطة.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×