حدود مضطربة غرب مالي تنذر بأزمة
أصدر معهد الدراسات الأمنية (ISS) في 22 يوليوز الجاري تقريرا حديثا أكد فيه خبراؤه المتخصصون في الشأن الأمني تصاعد خطر الإرهاب في المنطقة الحدودية التي تجمع بين مالي وموريتانيا والسنغال، وحذر من أن أي تصعيد أمني في هذه المناطق ستكون له تأثيرات متعددة الأبعاد على المستوى الاقتصادي والإنساني والأمني، لا سيما على موريتانيا التي تحتل موقعا محوريا في هذه المعادلة المعقدة.
زحف إرهابي يهدد التجارة الحدودية
أعد الباحثان حسان كوني وبولين موريس توبان، من المكتب الإقليمي لمعهد الدراسات الأمنية في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، تقريرا كشفا فيه عن تصاعد حاد في النشاط الإرهابي بالمنطقة، حيث رصد سلسلة هجمات منسقة نفذها تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبط بالقاعدة، في الأول من يوليوز الجاري، واستهدف سبعة مدن في مالي، من بينها نيونو، مولودو، سنداري، نيورو دو الساحل، جوجوي، كاي، وديبولي. ووفق التقرير، لم تكتف الجماعة بهذه العمليات، بل هددت لاحقا بفرض حصار على مدينتي كاي ونيورو، اللتين تضطلعان بدور محوري في تدفق السلع والبضائع ليس داخل مالي، وإنما أيضا نحو موريتانيا والسنغال.
الإرهاب يعطل التبادل الإقليمي
تكمن الخطورة، حسب التقرير، في أن هذا التهديد يمس مباشرة ممرات تجارية استراتيجية في المنطقة، أبرزها المعبر الحدودي بين نواكشوط وباماكو، الذي تم إعادة تفعيله سنة 2022 بموجب اتفاق اقتصادي ثنائي، فضلا عن محور داكار باماكو، الذي تمر عبره أكثر من 70% من واردات وصادرات مالي انطلاقا من ميناء داكار، تحدث أي زعزعة أمنية لهذه المسالك الحيوية شللا في حركة التبادل التجاري، وتلحق أضرارا مباشرة بقطاعات محورية في موريتانيا، منها النقل والخدمات اللوجستيكية، ما يوسع من دائرة تداعيات الخطر الإرهابي لتتجاوز الجغرافيا وتطال البنى الاقتصادية الإقليمية.
حدود ملتهبة تهدد الامدادات
أشار التقرير أن التصعيد المتواصل في غرب مالي يهدد بشكل مباشر منشآت الطاقة الحيوية التي تعتمد عليها موريتانيا، وعلى رأسها السدود الكهرومائية في مانانتالي وفيلو وجوينا، التي تزود أربعة دول في المنطقة موريتانيا، السنغال، مالي، وغينيا بالكهرباء، وأي خلل في هذه المنشآت، يعود لتدهور الأوضاع الأمنية في منطقة كاي، يفضي إلى أزمة طاقة تطال العاصمة نواكشوط وتؤثر على الأمن الطاقي للمنطقة بأكملها، وحذر التقرير من أن تراجع فعالية الحزام الأمني على الحدود مع مالي يجعل موريتانيا عرضة لتسلل الجماعات الإرهابية وشن هجمات محتملة، ما يستدعي رفع الجاهزية الدفاعية، والقدرات العسكرية والاستخباراتية، إلى جانب تكثيف التنسيق مع الدول المجاورة لضمان استقرار دائم في المنطقة.
تعاون أمني لمواجهة التصعيد
كشف التقرير عن وجود آلية ثلاثية للتعاون الأمني تضم قيادات المناطق العسكرية في تامباكوندا وكيدوغو بالسنغال، وكاي في مالي، وسيلبابي بموريتانيا، تعقد بموجبها اجتماعات دورية لتنسيق الدوريات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين هذه الدول، إلا أن التحولات الأمنية المتسارعة، في مقدمتها لجوء الجماعات الإرهابية إلى تقنيات متقدمة كاستخدام الطائرات المسيرة، تفرض ضرورة إعادة تقييم فعالية هذا التنسيق ورفع مستوى الجاهزية الميدانية، وأوصى التقرير في هذا السياق بتوسيع إطار التعاون ليشمل غينيا، بالنظر إلى هشاشة حدودها وقربها من مناطق النزاع، وذلك من أجل بناء جبهة إقليمية أكثر صلابة في مواجهة التهديدات المتزايدة.
شباب في مرمى التجنيد
سلط التقرير الضوء على أن الأزمة الأمنية لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور في المناطق الحدودية بين مالي وموريتانيا، حيث تشكل هذه الظروف أرضا خصبة لاستقطاب الشباب من الجماعات الإرهابية، وتعاني هذه المناطق رغم وجود مواردها الطبيعية الغنية منها الذهب والأراضي الزراعية، من نقص حاد في البنية التحتية وافتقار الخدمات الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية والمياه والكهرباء، وفي هذا السياق دعا التقرير إلى تنفيذ مشاريع تنموية مشتركة تستهدف فئة الشباب وتوفير فرص عمل حقيقية، سواء عبر التعاون الثنائي بين الدول المعنية أو من خلال “منظمة تنمية نهر السنغال”، من أجل تحجيم قدرة الجماعات المتطرفة على استغلال الفقر واليأس في تجنيد المقاتلين وتكريس الاستقرار بالمنطقة.
تعاون إقليمي لمواجهة الإرهاب
أوصى معهد الدراسات الأمنية على ضرورة تضمين المبادرات التنموية ضمن إطار المفاوضات الحالية بين تحالف دول الساحل “مالي، بوركينا فاسو، النيجر” والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “الإيكواس”، مشددا على أهمية إعادة تفعيل “عملية نواكشوط” التي أطلقها الاتحاد الإفريقي سنة 2013 لترسيخ التعاون الأمني وتبادل المعلومات بين دول الساحل وأكد الباحثان في ختام التقرير أن أمن موريتانيا مرتبط ارتباطا وثيقا بأمن جيرانها، وأن التصدي للتحديات الأمنية المتصاعدة يستوجب تبني استراتيجية إقليمية متكاملة وفعالة، قادرة على كبح التهديدات الإرهابية ومنع امتدادها إلى عمق المنطقة.













