الجزائر بين شراكات مقرونة بشروط خفية ودبلوماسية بلا بوصلة

Jan 30, 2026 /

الجزائر بين شراكات مقرونة بشروط

الأخبار 24: مليكة بوخاري

استغل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون زيارة مغلفة بطابعها الاقتصادي على توسيع هوامشها السياسية، عبر الزج مجددا بملف الصحراء المغربية في صلب محادثاته الرسمية مع الجانب الإيطالي، متجاوزا جدول الأعمال المعلن الذي كان من المفترض أن ينصب على ملفات الطاقة والاستثمار والبحث العلمي.

عناوين الاستثمار تخفي رسائل سياسية
استغل الرئيس عبد المجيد تبون زيارته الى إلى إيطاليا ذات للطابع الإقتصادي، الى تحويل بوصلة النقاش من الشراكة الإقتصادية بين الجزائر وإيطاليا، الى أجندة بلاده الانفصالية، مستثمرا حضوره إلى جانب رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بروما لإعادة تسويق رواية الجزائر بخصوص النزاع المفتعل بالصحراء المغربية، وقد تضمن البيان المشترك إشارات مبطنة لدعم جهود المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، من دون أي التزام سياسي صريح أو استعداد فعلي للانخراط في المسار الأممي، الذي شكل ركيزة أساسية ومعترف بها دوليا، مبادرة الحكم الذاتي المغربية، تفهم هذه المناورة الدبلوماسية محطة جديدة في مسار جزائري طويل لتدويل خطاب تقليدي لم يعد يجد صدى في المشهد الجيوسياسي الراهن، حيث الأولوية اليوم للحلول الواقعية والمقاربات التوافقية، فقد حول تبون الفضاء اقتصادي الثنائي إلى واجهة لتصفية مواقف إقليمية، ما يعكس ارتباكا في ترتيب الأولويات السياسية لدى صانع القرار الجزائري، ويضعف صدقية الجزائر كشريك اقتصادي موثوق، بل إن هذا التداخل ما بين السياسي والاقتصادي يكرس نمطا وظيفيا في إدارة العلاقات الخارجية، التي تقوم على استغلال التعاون الثنائي لخدمة أجندات ظرفية، على حساب التوازن والمصداقية الاستراتيجية.

دبلوماسية الغاز محاولة تعديل الكفة الأوروبية
تندرج التحركات الجزائرية الأخيرة ضمن سياق دبلوماسي متوتر مع الاتحاد الأوروبي، حيث تمر العلاقات مع عواصم مركزية منها، باريس ومدريد بمرحلة جفاء سياسي، نتيجة مواقفهما الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، لجأت الجزائر أمام هذا التراجع في الدعم التقليدي، إلى تكثيف تحركاتها لعواصم بديلة منها، روما وبرلين، في محاولة لإعادة التوازنات وتليين مواقف الأطراف الأوروبية التي لا تزال تعلن حيادها في النزاع، كما يرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس استراتيجية الدبلوماسية الجزائرية التي تقوم على توظيف الورقة الاقتصادية، ولا سيما الطاقة، كأداة ضغط سياسي داخل النزاعات الجيوسياسية الكبرى، من أجل إعادة فرض قراءتها الإقليمية على طاولات التعاون الثنائي، وتستهدف الجزائر بالدرجة الأولى دول جنوب أوروبا، التي تبحث عن بدائل فورية للغاز الروسي، وتبدو مستعدة للتنازل عن بعض ثوابت سياستها الخارجية مقابل ضمان أمنها الطاقي، لا يخلو هذا التوظيف المفرط للطاقة كورقة تفاوضية من المخاطر، إذ يؤدي إلى علاقات غير متوازنة، يهيمن فيها منطق الابتزاز الظرفي على أسس الشراكة المستدامة، ويحول الجزائر من فاعل مستقل إلى مزود مرحلي في سوق مضطرب، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب استراتيجية حقيقية على المستوى الإقليمي أو الدولي.

اتفاقيات بالجملة ومكاسب خارج الحدود
تم توقيع أربعين اتفاقية شراكة بين الجزائر وإيطاليا تشمل قطاعات الطاقة، الصناعة، الزراعة والتكنولوجيا، إلا أن هذا الزخم التعاقدي يثير تساؤلات جدية حول جدواه الحقيقية بالنسبة للمواطن الجزائري، في ظل غياب آليات الرقابة الشفافة وضعف المؤسسات المعنية بتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه الاتفاقيات، تبدو الحصيلة مرشحة لأن تصب في صالح الشريك الإيطالي أكثر من كونها مكسبا استراتيجيا للجزائر، حيث تؤكد معطيات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء “Istat” والوكالة الإيطالية لتدويل الشركات “ICE”،وقد باتت  الشركات الإيطالية تحظى بتموقع قوي داخل البنية الاقتصادية الجزائرية، خاصة بعد تراجع صادرات الغاز الجزائري بنحو 24%، ما مكن روما من تجاوز باريس كشريك تجاري أول في لحظة سياسية دقيقة، ويحذر مراقبون أن هذه المعادلة المختلة قد تفضي إلى شكل جديد من “الاستعمار الاقتصادي الناعم”، حيث تفتح الأسواق الجزائرية أمام الهيمنة الأجنبية دون ضمانات حقيقية لحماية السيادة الاقتصادية أو ضمان توزيع عادل لعائدات التعاون، فبينما يروج النظام الجزائري لهذه الاتفاقيات كإنجازات دبلوماسية، ويغيب عن المشهد أي نقاش جاد حول المردودية التنموية الفعلية لها، في وقت تستمر فيه السلطة في توجيه الموارد الوطنية لخدمة أجندات ظرفية، بعيدا عن أي رؤية استراتيجية شاملة تراعي مصالح الشعب ومستقبل البلاد.

قمة الاقتصاد في خدمة الأجندة السياسية
كشفت القمة الاقتصادية التي جمعت الجزائر وإيطاليا في روما عن ميل جزائري واضح إلى تسييس ملفات التعاون الثنائي، عبر خلط المقاربات الاقتصادية بأجندات سياسية إقليمية، في سلوك دبلوماسي بات يطغى على تحركات النظام الجزائري خارج حدوده، عوض تقديم نموذج تنموي قائم على التكامل والشراكة المتوازنة، استغل الرئيس عبد المجيد تبون المنبر الإيطالي لترويج مواقف عدائية تجاه المغرب، من خلال الزج بملف الصحراء المغربية ضمن سياقات لا تمت بصلة، وأيضا القضية الفلسطينية وأزمات الساحل وأوكرانيا والشرق الأوسط، في محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتوسيع دائرة الضغط السياسي، لا يعكس هذا السلوك فقط توجها ظرفيا، بل يفضح أزمة بنيوية في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية، التي ظلت منذ عقود رهينة مرجعيات متأرجحة ومواقف متقلبة، تتحكم فيها اعتبارات داخلية تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع مصالح شبكات النفوذ الاقتصادي، ما جعل الدبلوماسية تفتقد الى البوصلة، وتستثمر في التوترات بدل احتوائها، وتستخدم المحافل الدولية مسارح لصراعات ثانوية، ما يكرس عزلة تدريجية ويقلل من صدقية الجزائر كشريك إقليمي مسؤول.

شراكة تغلف أنقاض الذاكرة
لا يمكن فصل التقارب الإيطالي الجزائري عن السياق التاريخي الذي شكل خلفية العلاقات بين البلدين، إذ تحضر في ذاكرة المرحلة السياسية دعوة صريحة لقراءة الموقف الإيطالي الحالي بوصفه “ردّ جميل مؤجل”، على الدعم الذي قدمته روما للمؤسسة العسكرية الجزائرية خلال “العشرية السوداء” التي طبعتها الانتهاكات الجسيمة ومآسي حقوق الإنسان، ويبدو أن هذا البعد التاريخي يلقي بظلاله على ملامح الشراكة المعلنة اليوم، والتي تبنى في غالبيتها على تبادل المصالح في مجالات الطاقة والتسليح والبحث العلمي، دون أن تراعي المعايير الديمقراطية أو مبادئ الشفافية والحوكمة، يعكس هذا التجاهل الصريح لملف الحريات وحقوق الإنسان، من طرف دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ازدواجية واضحة في الخطاب الأوروبي، ويؤشر على توجه براغماتي يحول الجزائر إلى مورد للطاقة وشريك تجاري، دون أي التزام سياسي حقيقي تجاه إصلاحات داخلية تضمن المشاركة الشعبية أو تحقيق العدالة الاجتماعية.، هكذا تتحول الشراكة من مشروع تنموي متوازن إلى علاقة غير متكافئة تستثمر فيها الثروات الجزائرية، في غياب أي ضمانات تضع مصلحة الشعب في صلب المعادلة.

خطاب الأسطوانة المشروخة
كشف الخطاب الذي أدلى به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في ختام زيارته إلى إيطاليا عن تمسك مزمن بخطاب تقليدي تجاوزه الزمن، إذ أعاد إنتاج شعارات “تقرير المصير” دون الالتفات إلى المتغيرات الجيوسياسية والواقع الدولي الذي لم يعد يرى في مشاريع الانفصال حلولا قابلة للتنفيذ أو القبول، يعكس هذا الإصرار على المقاربات المتقادمة، المستمدة من أدبيات الحرب الباردة، في غياب أي نية سياسية للانخراط الجاد في المسار التفاوضي الأممي، أو الإقرار بضرورة التوجه لتسوية سياسية واقعية ومنسجمة مع موازين القوى الدولية، يفهم من هذا العزف المنفرد الخارج عن السياق كعلامة على انكشاف العجز السياسي أمام الدينامية المتصاعدة للدبلوماسية المغربية، التي يقودها الملك محمد السادس نصره الله بثبات ووضوح في الرؤية، مستندا إلى ثلاثة استراتيجية: التشبث بالوحدة الترابية، الانفتاح الاقتصادي، وتكريس الخيار الديمقراطي التراكمي، ما يجعل من الخطاب الجزائري مجرد صدى لماض سياسي متحجر، يتراجع حضوره مقابل مشروع مغربي متماسك يحصد الاعتراف والدعم الإقليمي والدولي.

دبلوماسية بلا بوصلة في زمن التحولات
تبدي التحركات الخارجية الأخيرة للجزائر افتقارا واضحا إلى رؤية دبلوماسية استراتيجية طويلة الأمد، إذ باتت السياسة الخارجية تدار بمنطق ردود الفعل لا بالمبادرة، ووفق اعتبارات ظرفية بدل التقدير الجيوسياسي المتزن، فمحاولة الالتحاق بمجموعات دولية كـ”بريكس” دون امتلاك قاعدة اقتصادية قوية أو نموذج سياسي جاذب، تكشف عن رغبة في تحقيق مكاسب رمزية لتعويض تآكل الوزن الدبلوماسي في المحافل الدولية، يعكس هذا التوجه تخبطا في الخيارات الخارجية، خصوصا الارتماء في تحالفات هشة مع تيارات سياسية أوروبية متطرفة، بدافع الخصومة مع باريس، ما يضع الجزائر في مواقف متناقضة مع مبادئ طالما رفعتها، مما يقوض صدقيتها في ملفات إقليمية حساسة، على رأسها قضية الصحراء المغربية، لا تساهم هذه المقاربة الانفعالية في عزل الجزائر عن محيطها، بل تفقدها القدرة على التأثير الفعال في هندسة التوازنات الإقليمية والدولية.

دبلوماسية الهروب إلى الأمام
تعكس زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى إيطاليا محاولة مكشوفة لإخفاء التصدعات الداخلية التي تعاني منها المنظومة السياسية الجزائرية، من خلال اللجوء إلى توقيع اتفاقيات اقتصادية سطحية لا تمس جوهر معاناة المواطن الجزائري، في وقت يستمر فيه النظام في استغلال ملف الصحراء المغربية كأداة لتوجيه الأنظار بعيدا عن أزماته المتراكمة وإخفاقاته في تلبية مطالب شعب يتوق للعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة والكرامة الوطنية، إذ يغيب الاعتراف الصريح بالواقع السياسي الدولي، واستمرار الجزائر في الاحتماء بخطابات متجاوزة حول “الاستفتاء” و”حق تقرير المصير”، حيث بات يُجمع على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل الإطار الواقعي والنهائي لتسوية هذا النزاع المفتعل، لا يؤدي الإصرار على تلك الشعارات الموروثة عن زمن الحرب الباردة سوى لتعميق عزلة الجزائر، والدفع بها إلى موقع التابع لا الشريك، وسط متغيرات جيوسياسية تفرض على الفاعلين الإقليميين التحلي بالبراغماتية والوضوح في بناء التكتلات المغاربية، تمسك النظام الجزائري بهذه المقاربة المتقادمة، لا يهدد فقط مستقبله السياسي، بل يعيد إنتاج دورة من التوتر والانغلاق تعيق أي انخراط جاد في مشروع مغاربي موحد، قادر على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×