رئيس في قفص النظام العسكري هل تبون يحكم أم يُحكم باسمه؟

Jan 30, 2026 /

رئيس في قفص النظام العسكري

مليكة بوخاري

بدا عبد المجيد تبون منذ صعوده إلى كرسي الرئاسة في ديسمبر 2019، يقود الجزائر في بحر مضطرب دون خريطة أو بوصلة، وسط نمط متكرر من القرارات المتسرعة والمتناقضة، على الصعيدين الداخلي والخارجي. هذه الحالة لا يمكن تفسيرها بمجرد “أخطاء بشرية”، بل تعكس أزمة أعمق ترتبط بطبيعة النظام السياسي، وهشاشة الشرعية، والتداخل القاتل بين مراكز القرار.

شعبوية بلا إصلاح تعمق أزمة الشرعية
سارع عبد المجيد تبون منذ لحظة توليه الحكم لترميم شرعية سياسية مهزوزة، تفتقر الى العمق الشعبي، أكثر مما هي نابعة من إرادة شعبية فعلية، عقب انتخابات وُوجهت بمقاطعة واسعة ورفض شعبي عارم، هذا الضعف البنيوي في الأسس دفعه إلى تبني خطاب دعائي يغلب عليه الطابع الاستعراضي، مستندا إلى قرارات ظرفية منها، رفع الأجور وتوزيع مداخيل النفط، كوسيلة لشراء الرضا الاجتماعي السريع، غير أن هذه السياسات لم تنطلق من رؤية إصلاحية متماسكة، بل عكست منطق التهدئة المؤقتة، حيث ساد منطق الاستهلاك السياسي بدل الإنتاج الفعلي، وغاب أي مسار مؤسساتي يضمن استقرارًا طويل الأمد.

رئاسة تتهرب من الإصلاح العميق
تجنب عبد المجيد تبون فتح مسار سياسي يعيد بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع، وبدل أن ينخرط في إصلاحات حقيقية تعيد للشرعية معناها، فضل الاحتماء بخطاب دعائي يروج للرمزية على حساب الفعل السياسي الجاد، فقد سعى إلى تسويق نفسه كرئيس قوي من خلال خطابات مبالغ فيها وإجراءات ظرفية تفتقر إلى أي عمق مؤسساتي أو توافق سياسي، في وقت كانت البلاد أحوج ما تكون إلى قرارات جريئة تعالج الأعطاب البنيوية وتعيد صلة الوصل بين السلطة وهموم المواطنين، بدل أن تتحول قرارات الرئاسة إلى أدوات فاعلة في الحكم والمساءلة، اكتست طابعا استهلاكيا موجها للاستخدام الإعلامي السريع، بلا أثر ملموس في الواقع المعيشي، عمق هذا التوجّه الدعائي الفجوة بين الحاكم والشعب، ورسخ صورة نظام يوظف اللحظة لتأجيل الأزمات بدل مواجهتها، ويتجنب الخوض في ملفات جوهرية تتطلب شجاعة سياسية ورؤية تتجاوز منطق الترقية الشخصية أو المكاسب الظرفية.

رئاسة بلا قرار ومؤسسات بلا صلاحيات
يحاول عبد المجيد تبون تصدير صورة “الرئيس القوي” المتحكم بزمام القرار، إلا أن معطيات الواقع السياسي الجزائري تكشف حدود سلطته الفعلية داخل منظومة حكم تدار من خلف الستار. لا تزال المؤسسة العسكرية، بأذرعها الأمنية، تتحكم في التوجهات الكبرى، ما يفرغ موقع الرئاسة من استقلاليته وتحويله إلى واجهة مدنية لقرارات تصنع في أماكن مظلمة، ينعكس هذا التداخل العميق بين السلطة الرسمية ومراكز النفوذ غير المعلنة في تناقض المواقف الرئاسية، لا سيما في الملفات الاستراتيجية الحساسة، كالعلاقات مع فرنسا أو الأزمة المتواصلة مع المغرب، حيث تبدو التحولات المفاجئة في الموقف بلا منطق واضح، ما يكشف غياب الانسجام وضبابية القرار السياسي، يتجلى تدبير الشأن العام، على نمط حكم سلطوي يرتكز على الأوامر الفوقية بدل التشاور المؤسساتي، إذ غالبا ما تتخذ قرارات مصيرية عبر تعليمات عاجلة تصدر على شكل برقيات، دون المرور عبر نقاش برلماني أو تقييم قطاعي، خلق هذا الأسلوب الارتجالي حالة من الفوضى الإدارية، خاصة في قطاعات مفصلية منها، الصحة، التعليم، التجارة والمالية، حيث تتخذ قرارات ثم يعاد النظر فيها خلال أيام، دون وجود آليات واضحة للمساءلة أو مراجعة السياسات، ما يعكس أزمة عميقة في بنية الحكم، تطغى فيها المركزية المفرطة والافتقار إلى التوازن المؤسساتي، على حساب الفعالية والشفافية.

سلطة معزولة وقرار منفصل عن الواقع
تزداد أزمة الحكم بالجزائر تعقيدا في ظل مناخ سياسي وإعلامي مغلق، حيث تغيب الضمانات الأساسية لحرية التعبير وتقيد آليات المساءلة الديمقراطية، بات الصوت المعارض إما ملاحقا قضائيا أو مقصى من المجال العمومي، فيما تتعرض الصحافة المستقلة لحصار ممنهج، والزج بالصحفيين في السجون لمجرد ممارستهم دورهم الرقابي، يكرس هذا الانسداد عزلة السلطة عن نبض المجتمع، ويحول الرئاسة إلى فضاء مغلق تصنع فيه القرارات بعيدا عن أي تغذية راجعة من الشارع أو من المؤسسات التشريعية والإدارية، وحين تدار الدولة من داخل فقاعة سلطوية، تفقد السياسات ارتباطها بالواقع، وتتحول إلى ردود أفعال مفصولة عن سياقها الاجتماعي والسياسي، لا يبدو عبد المجيد تبون في هذا السياق رجل دولة بالمفهوم الحديث القائم على التشاركية، والشفافية، والمسؤولية، بل يظهر أقرب إلى منتوج بيروقراطي كلاسيكي نشأ في كواليس نظام بوتفليقة، دون أن يطور أدوات حكم تتماشى مع تحولات الزمن يتأرجح خطابه بين العشوائية والتناقض، حيث تتغير النبرة والمواقف من مناسبة لأخرى، ما يعكس غياب رؤية استراتيجية متماسكة، ويبرز شخصية سياسية تميل إلى الإنكار والتعنت بدل الإنصات والمراجعة، حيث تصبح السلطة أكثر انغلاقا، ويغدو القرار السياسي معزولا عن الواقع، في مشهد ينذر بتفاقم الأزمة بدل معالجتها.

حكم يقصي الشعب ويدفع نحو المجهول
يتجلى أحد أخطر مظاهر نمط حكم عبد المجيد تبون في نظرته الفوقية إلى الشعب، الذي لا ينظر إليه كمصدر للشرعية أو طرف فاعل في صياغة القرار السياسي، بل كمتلق سلبي لما يقرره النظام العسكري، لن تبقى هذه الذهنية السلطوية حبيسة الخطاب، بل تنعكس بشكل صارخ في قرارات تمس جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها، من منع جزائريين دخول وطنهم، إلى تجاهل مطالب مهنية مشروعة، مرورا بتجريم حرية التعبير وسجن الصحفيين، سياسة لا تكتفي بإسكات الأصوات المعارضة، بل تمعن في إقصاء المجتمع من معادلة الحكم، ما يرسخ قطيعة مزمنة بين الحاكم والمحكوم، ولا يمكن قراءة تخبط قرارات تبون كظواهر معزولة أو ناتجة عن تقديرات خاطئة فحسب، بل هي انعكاس لبنية سلطوية منغلقة، تفتقر إلى الشرعية الشعبية، وتدار بمنطق أحادي يرفض المحاسبة والمراجعة، ينتج غياب الشفافية والمؤسسات الوسيطة، وتغليب القرار الفردي على المشاورات، نمط حكم يقوم على الاستئثار والعزلة، لا على التشارك والتوازن، وفي ظل استمرار هذا النهج، تبدو البلاد متجهة نحو مزيد من الانغلاق السياسي والتدهور المؤسساتي، لمسار لا يفتح أفقا للاستقرار، بل يعمق الأزمات، ويهدد بإدخال الدولة في نفق غامض محفوف بالمخاطر.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×