مشاركة تجردة من الجيش المغربي
الأخبار 24 : حكيمة القرقوري
شهدت مدينة بواكيه، ثاني أكبر مدن كوت ديفوار، أجواء إحتفالية صباح اليوم الخميس، استعراض القوة والسيادة الوطنية، من خلال تنظيم عرض عسكري ضخم إحياءا للذكرى الخامسة والستين لاستقلال البلاد، وقد شكل الحدث مناسبة ذات رمزية تاريخية وسياسية عميقة، بحضور الرئيس الحسن واتارا وحرمه دومينيك واتارا، إلى جانب عدد من قادة الدول الإفريقية وكبار الشخصيات الدبلوماسية، يجسد المشهد المكانة المتصاعدة لكوت ديفوار داخل المعادلة الإفريقية، ويعكس حرص أبيدجان على صورة الاستقرار والقوة المؤسساتية أمام شركائها الإقليميين والدوليين.
عرض عسكري يعكس رمزية السيادة
شهد العرض العسكري بمدينة بواكيه زخما جماهيريا ورسميا لافتا، يجسد مشاركة واسعة ومتنوعة لقوات محلية ودولية، في مقدمتها القوات المسلحة الملكية المغربية التي حضرت إلى جانب نظيرتيها الأمريكية والفرنسية، ضمن مشهد عسكري احتفالي احتضنه شارع “الملكة بوكو” وتحول إلى مسرح مفتوح لأبعاد رمزية واستراتيجية متعددة، تخلل العرض تشكيلات من مختلف فروع الجيش الإيفواري من القوات البرية والبحرية إلى فرق الوقاية المدنية والجمارك والأمن الداخلي لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل رسالة ميدانية عن تماسك المؤسسة العسكرية وارتباطها الوثيق بالمجتمع، ما يعكس التفاعل الشعبي الحماسي، وتصفيقات الجمهور التي واكبت مجريات العرض، في مشهد نقلته كاميرات الإعلام الرسمي ومنصات الرئاسة، ليبث على نطاق واسع، ويؤكد من جديد أن الجيش ليس أداة دفاع، بل أحد رموز الهوية الوطنية والسيادة المتجددة.
شراكة استراتيجية تتجاوز البروتوكول
لم تكن مشاركة القوات المسلحة الملكية المغربية في العرض العسكري بكوت ديفوار تعبير رمزي عن الصداقة بين البلدين، بل تجسيد عملي لعمق العلاقات الإستراتيجية التي تربط الرباط بأبيدجان، والتي تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي لتأخذ أبعادا أمنية وجيوسياسية متقدمة، يعكس الحضور المغربي في هذه التظاهرة ذات الحمولة الرمزية القوية، نهج الدبلوماسية الدفاعية الهادئة الذي تبنته المملكة خلال السنوات الأخيرة، والقائم على تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر الشراكة الأمنية الناعمة والفعالة، تمثل العلاقات المغربية الإيفوارية في هذا السياق نموذجا متقدما للتعاون الإفريقي جنوب–جنوب، من حيث توازن المصالح وتكامل الرؤى، فقد نجح البلدان، انطلاقا من رؤى سياسية متناغمة، في إرساء شراكة متعددة الأبعاد تشمل الأمن والدفاع، والجانب التنموي، ويبرز الحضور المغربي بكوت ديفوار من خلال قطاعات استراتيجية منها التمويل، والبنية التحتية، والتكوين المهني، ما يضفي على هذا التعاون بعدا عمليا يجعله عنصرا محوريا في دعم مسار التنمية المستدامة الإيفوارية، لا يقوم هذا الحضور على منطق الهيمنة أو الوصاية، بل على مبدأ التكامل والربح المتبادل، بما يكرس رؤية المغرب لعلاقات إفريقية قائمة على الشراكة الحقيقية، والتقاطع الإستراتيجي في المصالح، وبناء أمن مشترك في بيئة إفريقية تتسم بتزايد عوامل الضعف وعدم الاستقرار.
الاستقلال بين رمزية الماضي وتحديات المستقبل
قدم الرئيس الإيفواري الحسن واتارا، في خطابه إلى الأمة عشية احتفالات الذكرى الخامسة والستين للاستقلال، قراءة تتجاوز الطابع الرمزي للمناسبة، لتضعها في إطار محطة تأمل وطني في القيم التأسيسية للدولة الحديثة، وعلى رأسها الوحدة والسلام والتضامن والعمل، لا تقاس قيمة الاستقلال بذكراه، بل بما يستدعيه من وعي جماعي والتزام متجدد بمبادئ البناء الوطني، اختار واتارا مدينة بواكيه كموقع رمزي للاحتفال، لما تحمله من دلالات تاريخية واجتماعية عميقة، لما ذاقت المدينة من مرارة الانقسام في الماضي، لكنها تحولت اليوم، بفضل جهود المصالحة والتنمية، إلى رمز حي للنهوض والتلاحم،وشدد الرئيس من هذا على أن الذكرى ليست لحظة استرجاع للماضي فحسب، بل دعوة لتعميق المكتسبات، واستشراف المستقبل بروح الوحدة والمسؤولية.
استقرار وتنمية في محيط مضطرب
حرص الرئيس الإيفواري الحسن واتارا في معرض حديثه عن السياق الإقليمي أن القارة تواجه تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، مؤكدا أن أن كوت ديفوار نجحت في تحصين تجربتها الوطنية ضد تداعيات هذا المحيط المتقلب، مستندة إلى صلابة مؤسساتها، ووحدة صف شعبها، ويقظة أجهزتها الأمنية والدفاعية، ففي خطابه بمناسبة الذكرى 65 للاستقلال، وصف واتارا بلاده بأنها “واحة استقرار في منطقة مضطربة”، مبرزا أن هذا الواقع لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة حكامة رشيدة اتسمت بالصرامة والانضباط من جهة، وبالرؤية الاستباقية من جهة أخرى، قدّم الرئيس الإيفواري قراءة للمنجزات التنموية، صورة لبلد يتحرك بثبات على درب التحول الهيكلي، حيث لم تعد البنى التحتية والخدمات الأساسية ترفا أو امتيازا، بل حقوقا مكتسبة ترسخ يوما بعد آخر، فقد شهدت البلاد، حسب تعبيره، توسعا في شبكات الماء الشروب والكهرباء، وتطورا مستمرا في المنظومتين الصحية والتعليمية، إلى جانب طفرة في مشاريع الربط الطرقي التي تعيد رسم خارطة الحركة الاقتصادية والتواصل الجغرافي بين مختلف مناطق البلاد، ختم واتارا بلغة واثقة أن التنمية في كوت ديفوار لم تعد خطاب سياسي، بل واقعا يلمسه المواطنون في تفاصيل حياتهم اليومية.













