تونس على صفيح ساخن معركة تحدد مستقبل الديمقراطية

Jan 30, 2026 /

تونس على صفيح ساخن معركة تحدد

أبرز المشهد السياسي التونسي مرحلة من الاحتقان والتوتر، وجه الرئيس قيس سعيد انتقاداته إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد وواحدة من أبرز رموز الديمقراطية التونسية منذ ثورة 2011، ويرى مراقبون أن هذه المواجهة تتجاوز النزاعات القطاعية التقليدية، لتشكل تهديدا مباشرا لأحد آخر معاقل الاستقلالية المؤسساتية في تونس.

تظاهرة تشعل فتيل المواجهة
شهدت العاصمة يوم السابع من غشت خروج تظاهرة أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، حملت شعارات تتهم قيادته بالفساد، في خطوة اعتبرتها قيادة الاتحاد محاولة من أنصار الرئيس للاعتداء على مقر المنظمة، جاءت هذه التحركات بعد يوم واحد فقط من إضراب قطاع النقل الذي استمر ثلاثة أيام، ما أثار غضب الرئيس قيس سعيد، الذي لم يتردد في التصعيد، مؤكدا أن لا حصانة لأحد أمام القانون ومتوعدا بفتح ملفات النقابيين، في موقف يضاعف التوتر بين الرئاسة وأكبر مركزية نقابية في البلاد.

استهداف النقابات يهدد الديمقراطية
يرى خبراء ومراقبون حقوقيون أن المواجهة الحالية لا يمكن فصلها عن مسار بدأ منذ 2021، حين استحوذ الرئيس قيس سعيد على مفاصل السلطة، مواصلا تفكيك مؤسسات الوساطة السياسية والاجتماعية التي تشكل أحد أعمدة الديمقراطية في تونس، وأشارت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن استهداف النقابات يعد ضربا لآخر المؤسسات المستقلة، في سياق حملات توقيف وملاحقات قضائية شملت أحزابا وسياسيين وقضاة وصحافيين، ما يعكس تآكلا متواصلا للأطر الدستورية والمدنية في البلاد.

الاتحاد يرد بالتصعيد والمسيرات الوطنية
جاء رد الاتحاد سريعا وحازما، مستندا إلى تاريخه الطويل في مقاومة الاستعمار ومقارعة الأنظمة المتعاقبة، خرج الأمين العام بعد اجتماع طارئ لهيئته التنفيذية برسالة تحد، مؤكدا أن النقابيين لن يرضخوا لسياسة الترهيب، ومشددا على أن صوت المنظمة سيظل مرتفعا، ولوح في الوقت نفسه، باللجوء إلى القضاء في حال وجود دلائل فعلية على الفساد، معلنا عن تنظيم مسيرة وطنية يوم الخميس المقبل، وإبقاء خيار الإضراب العام مطروحا كورقة ضغط لمواجهة ما يعتبره محاولة لإخضاع المركزية النقابية وإضعاف دورها التاريخي.

إلغاء التفرغ النقابي يزيد التوتر
لا تنفصل المواجهة الراهنة عن السياق الاقتصادي المأزوم، الذي يثقل كاهل التونسيين منذ 2011، فيما يحمل جزء من الرأي العام النقابات مسؤولية تعميق الأزمة بسبب الإضرابات المتكررة في قطاعات حيوية كالفوسفاط، وكما يرى آخرون أنها لا تزال تمثل آخر خطوط الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والحريات، جاء هذا القرار الحكومي الأخير بإلغاء نظام التفرغ النقابي ليصب الزيت على نار الأزمة، باعتباره خطوة تترجم رغبة السلطة في تقليص هامش تأثير الاتحاد وتجفيف أحد منابع قوته التاريخية.

الاتحاد بين مطرقة الداخل وسنداد الرئاسة
كشفت الأزمة الراهنة التوتر القائم بين الاتحاد العام التونسي للشغل والرئاسة، وأيضا أبدت هشاشة داخلية تعصف بالمنظمة النقابية نفسها، فقد تعالت أصوات من داخلها تدعو إلى مراجعة المسار وتجاوز حالة الارتباك التي أضعفت موقعها، وهو ما يعتبره مراقبون مظهرا طبيعيا لأي كيان ديمقراطي، شرط أن تحسم الخلافات بآليات شفافة تحفظ وحدتها، غير أن خطورة المشهد تتجاوز هذه الخلافات التنظيمية، لتضع تونس أمام احتمال مواجهة مفتوحة بين مؤسسة رئاسية ماضية في تركيز السلطة من جهة، وأحد أعرق الفاعلين الاجتماعيين الذين راكموا خبرة طويلة في المواجهة والتعبئة من جهة أخرى، وفي ظل تداخل الملفات السياسية والأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، يبدو أن البلاد مقبلة على معركة كسر العظام قد تعيد رسم موازين القوى وتحدد مستقبل الانتقال الديمقراطي برمته.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×