الرباعي الصاعد يتحدى الهيمنة الأمريكية
الأخبار 24: مليكة بوخاري
نشرت نيويورك تايمز، مقال لريتشار فونتين، مستشار السيناتور جون ماكين السابق للشؤون الخارجية، وأندريا كيندال-تايلور، ضابطة الاستخبارات المتخصصة بالشأن الروسي، صورة واضحة لما وصفاه “بمحور القوى الصاعدة”، الذي يضم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، وأوضح الكاتبان أن هذه الدول، على الرغم من خلافاتها العميقة، تتوحد حول هدف مشترك يتمثل في مواجهة النفوذ الأمريكي وإعادة صياغة موازين القوة العالمية بما يجسد مصالحها الاستراتيجية، خطوة قد تهز النظام الدولي القائم وتعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى، يبرز هذا التحالف قوته في التعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، لم يعد تكتل رمزي، بل أصبح شريكا فعالا في تحدي السياسات الأمريكية التقليدية، مستفيدا من نقاط ضعف واشنطن وسياستها الخارجية المتذبذبة، في الوقت الذي يركز فيه الغرب على النزاعات الإقليمية، يظهر محور القوى الصاعدة قدرتة على تنسيق جهوده بطريقة استراتيجية، ما يطرح تحديات غير مسبوقة لحلف الناتو والقدرة الأمريكية على ضبط التوازن العالمي، ويعيد التساؤل حول فعالية النظام الدولي الذي هيمن عليه الغرب لعقود طويلة.
تحدي المحور للهيمنة الأمريكية
تزامن المقال مع العرض العسكري الضخم الذي أقامه الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، والذي لم يقتصر على استعراض الطائرات المقاتلة والصواريخ، بل حمل رسالة واضحة للغرب مفادها أن الصين تمتلك القدرة على تقديم بديل عملي للقيادة الأمريكية في النظام الدولي، وقد حضر هذا العرض قادة روسيا وإيران وكوريا الشمالية، ما أعطى الحدث بعدا استراتيجيا ورمزيا يجسد قوة التحالف وتماسكه النسبي رغم خلافاته العميقة، مؤكدا أن هذه الدول لم تعد مجموعات متفرقة، بل تشكل قوة جماعية قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية، ويشير التحليل إلى أن كثيرين قللوا سابقا من شأن هذا التحالف، المعروف باسم “محور الاضطرابات”، معتبرين أن التعاون بين أعضائه ميت سريريا أو مبالغا فيه، وقد اكتفت في يونيو الماضي، موسكو وبكين وبيونغ يانغ بمراقبة التطورات من بعيد، بينما خاضت إيران إثنى عشر يوما من المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، مكتفية بإصدار بيانات إدانة دون تقديم دعم عملي، يبرز هذا التباين في السلوك خطورة التحالف، والقدرة التكتيكية للأعضاء على التنسيق استراتيجيا حين تتطلب مصالحهم المشتركة مواجهة النفوذ الأمريكي.
التحالف الرباعي وتحدي النفوذ الأمريكي
تكشف التحليلات أن التحالف الرباعي بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية يتجاوز الدعم المتبادل في النزاعات الإقليمية، ليجسد هدفا استراتيجيا أوسع: إعادة تشكيل النظام الدولي بحيث تمنح كل دولة مكانتها المستحقة وتمكينها من ممارسة نفوذ أكبر على الصعيدين الاقتصادي والسياسي والعسكري، ضمن نموذج يوازي تحالف دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية، يعكس هذا الطموح المشترك إدراك هذه الدول أن القوة والتنسيق يمكن أن يشكلا أداة لإعادة رسم موازين القوى العالمية بما يخدم مصالحها الطويلة الأمد، ويشير الكاتبان إلى أن التعاون العسكري والتكنولوجي بين أعضاء التحالف قد يعزز قدرات خصوم الولايات المتحدة ويقلص فعالية أدواتها التقليدية في السياسة الخارجية، وإبراز تأثيره بشكل واضح في الأزمة الأوكرانية، حيث مكنت الصين وإيران وكوريا الشمالية روسيا من مواصلة حربها رغم الضغوط الدولية، ما يوضح قدرة التحالف على التنسيق الاستراتيجي بعيدا عن أعين الغرب، وموقفه في مواجهة الهيمنة الأمريكية.
التحالف الرباعي وتحدي الناتو
يتوقع المحللان أن يواصل التحالف الرباعي بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية تعزيز روابطه الاقتصادية والتكنولوجية، بما يمكنه من تجاوز العقوبات الأمريكية والدولية وتقديم بدائل للدول الأخرى للابتعاد عن الاعتماد على الأسواق والبنوك والعملات الأمريكية، يبرز إلى جانب ذلك التعاون العسكري بين الأعضاء، من خلال تبادل التكنولوجيا والمعرفة العسكرية، ما يمنح روسيا القدرة على إعادة بناء قواتها التقليدية بسرعة في حال توقف الحرب في أوكرانيا، عبر تزويدها بالذخائر أو المكونات اللازمة لتصنيع الأسلحة، وأيضا يشير التحليل أن هذا الواقع يشكل تحديا مباشرا لحلف الناتو ويعقد من خطط الدفاع الأمريكية، إذ لم تعد أي دولة في التحالف تعمل بمعزل عن الآخرين، سواء عبر الدعم العسكري أو إرسال المقاتلين، كما يبرز خطر وقوع أزمات متعددة ومتزامنة بشكل منسق، ما قد يؤدي إلى استنزاف القدرات الأمريكية وإرباك التخطيط الاستراتيجي، ويؤكد أن التحالف بات قوة جماعية قادرة على تحدي الهيمنة الغربية بطرق أكثر فعالية وذكاء.
زخم التحالف الرباعي ضد النفوذ الأمريكي
يبرز اجتماع بكين الأخير أن التحالف الرباعي بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية لم يتأثر بالصدمات التي لحقت بإيران في يونيو، بل على العكس، اكتسب قوة وزخما جديدا، مستشعرا فرصة استثنائية لتحديه للنفوذ الأمريكي، يأتي هذا في ظل سياسات إدارة ترامب التي أثارت استياء الحلفاء التقليديين، وقلصت من قدرة الولايات المتحدة على ممارسة دورها القيادي في الشؤون العالمية، ما فتح المجال أمام التحالف لاستغلال الفجوات السياسية والاستراتيجية لصالحه، ويشير المقال إلى أن مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الاجتماع يؤكد أن إيران لم تهمل كليا، بل تعتبر عنصرا محوريا ضمن الحسابات الاستراتيجية للتحالف، وتبدو الصين وروسيا وكوريا الشمالية مستعدين لدعم طهران في جهودها لإعادة توازن القوى، ما يوضح رؤية مشتركة بين أعضاء التحالف لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية بشكل يتحدى الهيمنة الأمريكية التقليدية ويعزز من نفوذهم الجماعي على الساحة الدولية.
واشنطن بين القوة المتاحة والتردد السياسي
يرى الكاتبان أن واشنطن ما تزال تمتلك الأدوات اللازمة لمواجهة التحالف الرباعي، بدءا من الاقتصاد الأكبر عالميا الذي يوفر نفوذا واسعا، مرورا بشبكة التحالفات والقواعد العسكرية المنتشرة حول العالم، وصولا إلى القوة القيمية التي تمثلها الديمقراطية وحقوق الإنسان والفرص المتاحة لكل فرد، تمنح هذه العوامل الولايات المتحدة قدرة فريدة على الدفاع عن النظام الدولي الذي يهيمن عليه لعقود، وإعادة ضبط التوازنات العالمية بما يحافظ على موقعها القيادي، لكن يكمن التحدي الحقيقي في القرار السياسي: هل ستختار إدارة ترامب استثمار هذه الأدوات بشكل فعال لمواجهة التحالف الصاعد، أم ستظل تتردد، مما يترك المجال للتحالف لاستغلال الفراغ الاستراتيجي وترسيخ نفوذه؟ يطرح هذا السؤال محورا رئيسيا للتفكير في مستقبل الدور الأمريكي على الساحة الدولية، والحفاظ على الهيمنة العالمية لن يكون ممكنا إلا من خلال رؤية واضحة وإرادة سياسية قوية.













