مخيمات تندوف صناعة الوهم
الأخبار 24: مليكة بوخاري
لم تعد مخيمات تندوف بقعة معزولة في عمق الصحراء الجزائرية، بل غدت مسرحا مكشوفا لانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان، تجري أمام أنظار العالم بلا حرج ولا رادع، إذ يتقاطع القمع الأمني الجزائري مع بطش ميليشيات “البوليساريو”، في هذا الفضاء المغلق ليشكلا معا منظومة استبداد متكاملة تحكم السيطرة على آلاف المدنيين المحتجزين، وتحول حياتهم اليومية إلى سجن جماعي مفتوح يفتقر لأبسط مقومات الحرية والكرامة.
تندوف مختبر كسر الأصوات واغتيال الكلمة
يرفع النظام الجزائري شعارات تقرير المصير في المحافل الدولية، لكن وقائع تندوف يكشف وجها مغايرا تماما: وجه دولة توظف كل ما تملك من أدوات أمنية واستخباراتية لإسكات أي صوت يجرؤ على المعارضة منهم المدونون والنشطاء الحقوقيون الذين يواجهون تضييق تقليدي، ومنظومة مراقبة رقمية تحول حياتهم الخاصة إلى ميدان مكشوف، حيث تخترق أجهزتهم، وتسرق بياناتهم، وتستباح أسرارهم العائلية، لتتحول الخصوصية إلى وسيلة إبتزاز رخيصة، مشهد يختزل طبيعة السلطة الجزائرية البوليسية حين تتخفى وراء الأقنعة، ينكشف عمق شموليتها وانعدام حدودها الأخلاقية، حيث تتحرك مليشيا “البوليساريو” في ظل هذا الغطاء الجزائري، ككيان فوق القانون، يمنح قادته سلطة مطلقة كقضاة وجلادين في الوقت ذاته، تصادر الأجهزة الإلكترونية، تفتش البيانات الشخصية بوقاحة، وتفبرك مضامين مخلة بالحياء توزع عبر منصات معدة سلفا للتشهير، يديرها قياديون معروفون في الكيان الوهمي، آلة قذرة لا تستهدف فقط سمعة المعارضين، بل تسعى لتحطيم معنوياتهم واغتيال ما تبقى من إرادة داخل المخيمات، هكذا تتحول تندوف إلى فضاء من الرعب النفسي والاجتماعي، حيث يعاقب الاختلاف بالتشهير، ويكسر صوت الناقد بأبشع صور الاغتيال المعنوي.
حين تصادر الكلمة وتستباح الكرامة
رغم ادعاء النظام الجزائري بأنه مجرد “مستضيف” لمخيمات تندوف، لكن الوقائع يكشف أنه الراعي الأول لمنظومة القمع والمستفيد الأكبر من إسكات كل صوت حر، ويدرك جيدا أن أي حراك مدني مستقل أو مبادرة نقدية من داخل المخيمات كفيلة بفضح المسرحية السياسية التي يسوقها منذ عقود تحت شعار “القضية الصحراوية”، ولا يتردد في تسخير أجهزته الأمنية والاستخباراتية لإحكام الرقابة، وتطويق الفضاء العام داخل المخيمات، لتتحول حياة آلاف المدنيين المحتجزين لأوراق ضغط في يده، وكما تحظى مليشيا “البوليساريو”، في ظل هذا التواطؤ الصارخ، بغطاء سياسي وإعلامي يتيح لها ممارسة أبشع الانتهاكات بلا رادع، فبدل أن يتحمل النظام الجزائري مسؤوليته كدولة مضيفة وفق القانون الدولي، اختار أن يمنح هذه الميليشيا سلطة مطلقة فوق أراضيه، لتتحرك كجهاز مواز خارج أي محاسبة، لهذا القمع في تندوف ويصبح فعلا ممنهجا تتقاسمه الدولة الراعية والميليشيا التابعة لها، فيما يترك المدنيون عالقين في دائرة معاناة لا تنتهي.
جريمة سياسية برعاية جزائرية
لا يمكن النظر لمأساة تندوف باعتبارها سلسلة من التجاوزات الفردية أو الانتهاكات المعزولة لحقوق الإنسان، بل نموذج صارخ لجريمة سياسية مؤسساتية تُدار بوعي كامل من النظام الجزائري وذراعه العسكري المسمى “البوليساريو”، واقع تسخر فيه أدوات الدولة من أجهزة أمنية وبرامج تجسس وإعلام مأجور لتكميم الأفواه وتشويه السمعة ونسف أبسط حقوق الأفراد في الكرامة والخصوصية، حالة ممنهجة لتحويل المخيمات إلى فضاء مغلق يُدار كمنطقة عسكرية، حيث تحاصر الحريات، وتستباح الحياة الشخصية للنشطاء، لأنهم اختاروا أن يرفعوا صوتهم ضد الظلم، والمقلق أن المجتمع الدولي، بجموده وصمته، يضفي شرعية غير مباشرة على هذه الانتهاكات، وكأنه يمنح الجزائر شيكا مفتوحا لإدارة تندوف كمنطقة خارج القانون، إن الاستمرار في هذا الصمت يعني قبول منطق المساومة على حساب الإنسان، حيث تختزل حياة آلاف المدنيين إلى “أوراق تفاوضية” في يد النظام الجزائري، وإذا لم تتحرك القوى الحقوقية والسياسية العالمية لكسر جدار الحصار، فإن التاريخ سيسجل وصمة عار جماعية: وكأن العالم سمح باستمرار جحيم القمع والتشهير في تندوف، لأن الجزائر أرادت الاحتفاظ بملف قابل للاستخدام في لعبة إقليمية لا نهاية لها.
مخيمات تحولت لمختبر القمع
أضحت تندوف اليوم أكثر مخيمات منسية في عمق الصحراء، وعنوان فاضح لسياسة جزائرية تقوم على صناعة الوهم وتصدير الأزمات، وتقدم الجزائر نفسها في المحافل الدولية كمدافع عن الحرية وحقوق الإنسان، لكنها تمارس النقيض في الخفاء لما تروج له، إذ ترعى آلة قمعية متكاملة تستهدف المدونين والنشطاء والصحافيين، وتستعملهم كأوراق في لعبة سياسية لا أخلاقية، تنفق الملايير على تلميع صورة “القضية”، وتظل حياة الآلاف المحتجزين في تندوف رهينة الابتزاز والتشهير والرقابة البوليسية، ضمن مشهد يكشف التناقض الصارخ بين الخطاب والشعارات من جهة، والواقع المظلم من جهة أخرى، أما “البوليساريو”، مجرد ظل باهت لإرادة جزائرية تتحكم في تفاصيله، تتحرك كأداة مطيعة لتنفيذ أجندة القمع وتكميم الأفواه، من خلال سيطرتها المطلقة على المخيمات، لتحول حياة المدنيين إلى فضاء مغلق يسوده الخوف والرقابة، وأي صوت ناقد يسحق بلا رحمة، وأي محاولة للخروج عن الصف يواجه بالتشهير والتصفية المعنوية، هذه حقيقة المخيمات: فضاء تحتجز فيه الحريات قبل أن يحتجز فيه البشر، وحقل تجارب لسياسات ترسخ الاستبداد بدل أن تحمي الكرامة.













