الإفراج عن صنصال يكشف مأزق النظام
أعلنت الرئاسة الجزائرية الإفراج عن الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صنصال، منهية سنة كاملة من التوقيف والتشهير الإعلامي الذي طاله منذ اعتقاله في 16 نونبر 2024، رغم ثقل القرار السياسي، لم يحمل أي بعد إنساني أو قانوني صرف، فقد بدا واضحا أنه لم ينبع من مراجعة داخلية أو تقييم قضائي، بل جاء ليغلق ملفا بات يثقل كاهل السلطة ويحرجها أمام الرأي العام الدولي.
عفو قسري تحت وطأة التدخل الألماني
لم يكن الإفراج مبادرة ذاتية من النظام الجزائري، بل ثمرة ضغوط مباشرة مارستها برلين، بعد تدخل الرئيس الألماني “فرانك فالتر شتاينماير”، الذي طالب بالعفو لدواع إنسانية، وقد استند شتاينماير، في ضغطه، إلى مفارقة لافتة تتعلق بالوضع الصحي للرئيس عبد المجيد تبون، الذي يتابع علاجه دوريا في ألمانيا، ما جعل من الصعب على الجزائر تجاهل الطلب دون الدخول في أزمة دبلوماسية غير محسوبة، واكتسى العفو طابع تسوية سياسية اضطرارية أكثر من قرار سيادي متماسك، فقد وضع هذا الإفراج النظام الجزائري أمام مرآة كشفت هشاشته واعتماده المتزايد على الخارج في إدارة الملفات الحساسة، بدل الارتكاز إلى مؤسسات قوية ومسار قانوني مستقل، جاءت هذه الخطوة لتبرز مرة أخرى عمق المأزق الذي يواجهه النظام، بين خطاب السيادة الذي يرفعه، وحاجة مستمرة إلى دعم خارجي لتجاوز أزماته الداخلية والدبلوماسية.
استسلام دبلوماسي يعري هشاشة النظام
وفق بيان الرئاسة الجزائرية، سينقل الكاتب بوعلام صنصال إلى ألمانيا لتلقي العلاج، ما يشكل نهاية الاعتقال الذي دام منذ 16 نونبر 2024، على خلفية تصريحات أعتبرت “بالتجديفية” تتعلق بمسألة الأراضي التي ورثتها الجزائر خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، وقد حكم استئنافيا بخمسة سنوات سجنا، ما يعد “احتجاز سياسي”، استخدمه النظام أداة لتوجيه رسائل داخلية وخارجية في خضم أزماته المتراكمة، وقد كشف قرار الإفراج عن صنصال الوجه الحقيقي لهذه السلطة، التي طالما تباهت برفضها “الاملاءات الأجنبية”، قبل أن ترضخ لضغوط ألمانية وفرنسية مشتركة، فقد انتهى رفع شعار السيادة الوطنية للرئيس عبد المجيد تبون، إلى التنازل أمام ضغط العواصم، فلا يمكن قراءتها “كبادرة إنسانية”، بل كانت في جوهرها استسلاما دبلوماسيا يجسد هشاشة النظام وتآكل استقلال قراره السياسي.
ارتباك السلطة وتناقضها الأخلاقي
تحول النظام الجزائري، الذي لم يتردد يوما في وصم الكاتب بوعلام صنصال “بالخيانة” و“اللاشرعية”، إلى منحه فجأة صفة “رمز الإنسانية”، ضمن مشهد يعكس ارتباكا أخلاقيا وسياسيا عميقا داخل منظومة الحكم، كشف هذا التناقض الصارخ عن سلطة تفتقر إلى البوصلة الفكرية وتتنازل عن مبادئها بسهولة أمام الحسابات الضيقة والضغوط الخارجية، ما جعل قرار العفو يبدو أقرب إلى مناورة اضطرارية منه إلى خطوة نابعة من قناعة أو مراجعة ذاتية، وقد أشعل الإفراج عن صنصال سجالا حادا في الداخل الجزائري، حيث رأت المعارضة رضوخا للإملاءات الدولية وتخليا عن السيادة الوطنية تحت ستار “الاعتبارات الإنسانية”، واعتبر مراقبون أن القرار عمّق الفجوة بين النظام والمجتمع، إذ يشعر الجزائريون بأن “رحمة السلطة” لا تمنح إلا بإشارة من الخارج، ما يعمق الإحساس باتساع الهوة بين الدولة ومواطنيها، وبعجز النظام عن التقاط نبض الشارع وهمومه الداخلية.
عفو يكشف مأزق النظام وعزلته
ترى الأحزاب الموالية في قرار الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال تجسيدا لما وصفته “بحكمة الدولة”، معتبرة أنها خطوة تعكس مرونة القيادة الجزائرية وقدرتها على تغليب البعد الإنساني على الحسابات السياسية، غير أن مراقبين اعتبروا القرار مؤشرا على أزمة أعمق يعيشها النظام، إذ جاء في سياق بحث عن مخارج دبلوماسية بعدما ضاق الخناق خارجيًا على النظام ، إثر تراجع الدعم من شركائه التقليديين في موسكو وبكين، وتجميد الحوار مع باريس ومدريد، وقد برز في خضم هذا التناقض، بوعلام صنصال كرمز يتجاوز شخصه، ليجسد في نظر كثيرين معركة الكلمة في مواجهة السلطة، وصوت الكرامة في وجه القمع، فقد عرى هذا الإفراج، وإن كان يحمل غطاءا إنسانيا، هشاشة نظام يتكئ على الخارج لترميم صورته، أكثر مما يستند إلى شرعية داخلية حقيقية.













