الإضرابات وأفق الاحتقان الاجتماعي
بات جزء كبير من الطيف السياسي التونسي يضطر للجوء إلى سلاح الإضراب، باعتباره آخر أشكال المقاومة الممكنة ضد المسار الانفرادي الذي يقوده الرئيس قيس سعيّد، فقد تحوّل الإضراب المفتوح عن الطعام من خطوة فردية إلى مسار احتجاجي يتسع تدريجيا، حاملاً معه أصداء أزمة سياسية متصاعدة وانسدادا واضحا في قنوات التعبير والمؤسسات الرسمية.
إضراب السجون يعمق الاحتقان السياسي
بدأت الشرارة تتوهج خلف جدران السجون، حين اختار “جوهر بن مبارك“، أحد أبرز مهندسي “جبهة الخلاص الوطني”، سلاح الإضراب الشامل عن الطعام والماء والدواء، ضمن خطوة تحمل طابعا تصعيديا غير مسبوق، وجد بن مبارك، المعتقل منذ فبراير 2023، نفسه في قلب محاكمة أثارت جدلا واسعا، بعدما قضت المحكمة في أبريل الماضي بسجنه 18 سنة بتهم مرتبطة بـ“التآمر على أمن الدولة” و“الانتماء إلى تنظيم إرهابي”، لكن خلف هذه الأحكام الثقيلة، والاتهامات الكثيرة أبرزت تحوّل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم، ما منح احتجاجه داخل السجن بعدا سياسيا واضحا، ولم تتوقف تداعيات هذه الخطوة عند حدود السجن، إذ سرعان ما تحولت إلى صدى واسع في الأوساط المعارضة الحقوقية، التي اعتبرت أن بن مبارك يجسد حالة “استهداف منهجي” لرموز المعارضة في سياق تضييق متصاعد على الحريات، وقد أعاد هذا التطور تسليط الضوء على عمق الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، وعلى الانقسامات الحادة بين السلطة ومعارضيها، في وقت باتت فيه حالة الاحتقان مرشحة لمزيد من الاتساع مع كل خطوة تصعيدية تأتي من داخل الزنازين أو خارجها.
إضرابات تعيد المعارضة إلى الواجهة
سرعان ما وجدت خطوة الإضراب صداها لدى قيادات معارضة أخرى، إذ التحق بها زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، المحكوم عليه في يونيو بـ 14 ستة ضمن ملف ضمّ 21 متهما، وقد رفض الغنوشي حضور جلسات المحاكمة احتجاجا على ما اعتبره غيابا لشروط المحاكمة العادلة، فيما شددت هيئة دفاعه على أن القضية تستند إلى “وشايات متناقضة لا ترتكز على أي قرائن حقيقية”، وفي السياق ذاته، اختار الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي ــ المحكوم بـ18 سنة بتهم تتعلّق بـ“التآمر على أمن الدولة” و“تكوين تنظيم مرتبط بأعمال إرهابية” الانضمام إلى هذا المسار الاحتجاجي، وقد أضفى دخول الشابي في الإضراب بعدا جديدا على التحرك، بالنظر إلى تنوع الخلفيات السياسية والمرجعيات الفكرية للمنخرطين فيه، ما جعله يبدو أقرب إلى جبهة حقوقية عابرة للتيارات أكثر منه فعلا احتجاجيا فرديا.
تونس بين إرث الثورة ومسار الانغلاق
يعيد الاحتقان المتصاعد فتح ملف التجربة التونسية بكل تعقيداتها، تلك التجربة التي شكلت الاستثناء العربي الأبرز خلال موجة “الربيع العربي”، فقد نجحت تونس في يناير 2011 في إسقاط نظام زين العابدين بن علي من دون أن تنزلق المؤسسة العسكرية إلى المواجهة، ما اعتُبر حينها ركيزة أساسية في نجاح المسار الثوري، تعود جذور هذا الاستثناء إلى الدولة الحديثة التي أسسها الحبيب بورقيبة، والتي قامت على مبدأ إبعاد الجيش عن الحكم، ما أتاح للمجتمع المدني والقوى السياسية هامشا واسعا للتعددية والمضي لصياغة دستور جديد، غير أن هذه المكاسب بدأت تتآكل منذ صيف 2021، حين اتخذ الرئيس قيس سعيد قرار تجميد البرلمان ثم حله، قبل أن ينتقل إلى الحكم عبر المراسيم، وتوالت بعد ذلك خطواته التصعيدية، من تفكيك المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء عشرات القضاة، إلى استهداف الأحزاب والنقابات والهيئات الحقوقية، وصولا إلى ملاحقة شخصيات مستقلة وناشطين لا يجمعهم سوى اختلافهم مع توجهاته، وقد برزت في خلفية هذا المسار، شبكة دعم خارجي وفرت للرئيس غطاءا ماديا وأمنيا مكنه من الاستمرار رغم العزلة الداخلية، لقوى إقليمية، إلى جانب إيران وبعض الأطراف الأوروبية، كل وفق مصالحه واستراتيجيته، خسرت تونس جزءا من استقلالية قرارها نتيجة هذا التداخل، وتراجعت إلى هامش الدور الإقليمي بعدما كانت لعقود نموذجا سياسيا ذا وزن وتأثير في محيطها العربي.
احتقان متصاعد ينذر بانفجار اجتماعي
إنكشفت ملامح التحول بتونس عبر أزمة اقتصادية خانقة باتت ترخي بظلالها الثقيلة على الشارع، حيث تتكرر موجات الغضب الشعبي، ومن أبرزها الاحتجاجات الواسعة بمحافظة قابس على خلفية الوضع البيئي المتدهور، رغم الطابع القطاعي الظاهر لتلك الأزمة، سرعان ما تحولت إلى مؤشر سياسي خطير يكشف هشاشة البنية الداخلية وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي، ما يجعل انفجار الأوضاع احتمالا قائما في كل لحظة، وتبدو الإضرابات الجارية في ظل هذا المناخ المشحون، امتدادا لصراع مفتوح بين مجتمع يتمسك بما راكمه من إرث ديمقراطي عبر عقود، وسلطة تدفع لمزيد من المركزية والانغلاق، ومع تعقيد المشهد وزيادة حدة التوتر، يبرز اتساع دائرة الغضب الشعبي كأقرب السيناريوهات، إذ يلوح في الأفق تحول هذا الاحتجاج إلى شرارة أولى لحراك أوسع وشامل في الفترة المقبلة.
دعم خارجي يعمّق الأزمة التونسية
يحظى نهج الرئيس قيس سعيّد بدعم خارجي متنوع، يشمل بعض القوى الإقليمية، إيران، الجزائر وعددا من الدول الأوروبية، ما مكن نظامه المعزول داخليا من الاستمرار رغم الانكشاف السياسي والرفض الشعبي، ساهمت هذه المساعدات الأمنية والمادية، كل وفق مصالحه الخاصة، في بقاء المسار الانفرادي حيا، لكن في المقابل قلصت استقلالية القرار التونسي وفقدت البلاد قدرتها على لعب أي دور عربي أو دولي كما في السابق، مع تكبدها ترديا اقتصاديا متسارعا انعكس على الأوضاع المعيشية للمواطنين، تجسدت هذه الأزمة المركبة على الشارع بشكل واضح، كما تجلت الاحتجاجات الحاشدة التي شهدتها محافظة قابس على خلفية الملف البيئي، إذ تحوّل المطلب المحلي إلى حدث سياسي بامتياز، مؤشرا على هشاشة التوازن الداخلي وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي، تبدو هذه الشرارة قادرة على تجديد موجات الغضب الشعبي، وربما امتدادها لتصبح عامل إشعال لأزمة أوسع في حال استمرار انسداد قنوات الحوار والمؤسسات.













