المغرب تاريخ ممتد وسياسة حكيمة في العمق الاستراتيجي

Jan 30, 2026 /
بقلم: مليكة بوخاري

المغرب تاريخ ممتد وسياسة حكيمة

تتجلى الصحراء الشرقية المغربية، عند قراءة تاريخية وسياسية متأنية، كفضاء مركزي وحيوي في بناء الدولة المغربية، وليست مجرد هامش جغرافي اقتطعته التحولات الاستعمارية.

الصحراء الشرقية المغربية عمق استراتيجي

تمثل الصحراء المغربية الشرقية امتدادا استراتيجيا حيويا للمغرب، إذ تضم ثلاثة مناطق كبرى شكلت عبر القرون عمقا سياسيا واقتصاديا وثقافيا للدولة: واحات توات وفكيك والقنادسة، إلى جانب بشار وتندوف وكورارة، لم تكن هذه الرقع والأطراف الجغرافية بل امتداد طبيعي للسلطة المغربية قبل أن تهزها التحولات الاستعمارية، ليس من الصدفة استخدام مصطلح «توات» لما يحمله من دلالات تاريخية تربطه بالمغرب، حيث تمتد هذه المساحات على مئات الكيلومترات، تفصل فكيك عن توات ب1200 كيلومتر، لم تشكل هذه المسافات الشاسعة عائقا، بل كانت جسورا للقوافل التجارية المغربية ومسارات حيوية للحياة الاقتصادية والثقافية في الصحراء، فقد كانت توات وبشار وتندوف قلب المغرب النابض، حيث تداخلت الأبعاد التجارية والروحية والسياسية، وقد ساهمت هذه الرقع في صناعة ما يُعرف بالمغرب الأقصى، من خلال ربط المدن ببعضها عبر الطرق التجارية وممرات الزوايا والطرق الصوفية، وصولا إلى المعبر الشرقي الرئيسي للحجاز لأداء فريضة الحج، ومن أبرز مواكب الحج المغربي، ركب آسفي الذي أسسه الولي أبو محمد صالح، حيث كان الحجاج يتجمعون في سكورة بورزازات، قبل أن يشقوا طريقهم عبر تندوف إلى القنادسة وأدرار وتوات، ثم الصحراء الليبية ومصر وصولا إلى الحجاز، وفرت هذه الحركة المتواصلة الصحراء الشرقية مكانة استراتيجية متميزة، وأثمرت هذه الدينامية ظهور سلالتين حكمتا المغرب: السعديون والعلويون، اللتان بنيا شرعيتهما السياسية على الروابط القبلية والجذور الاجتماعية العميقة المتجذرة في هذه الرقع الصحراوية.

أطماع الاستعمار الفرنسي وخروقات الجزائر

لطالما كانت عين الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية مسلطة على المغرب، الدولة التي استعصى على العثمانيين اختراقها رغم سيطرتهم على معظم دول شمال إفريقيا، بدأ الفرنسيون تنفيذ أطماعهم على المغرب من الجزائر، باقتطاع أراض شاسعة من ترابه مستفيدين من الثغرات غير الموثقة في اتفاقية لالة مغنية، ليصلوا إلى الصحراء الشرقية المغربية، ثم مناطق الداخل بعد توقيع معاهدة فاس في 30 مارس 1912، تثبت أحقية المغرب على حدوده الوطنية التاريخية، بعد تراجع حدود الإمبراطورية المغربية التي أسسها المولى إسماعيل العلوي في القرن الثامن عشر، والتي كانت تمتد إلى تومبوكتو، بما في ذلك الأراضي المغتصبة شرقا وشمالا مثل الصحراء الشرقية ومدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية والمناطق الصخرية المحيطة، أحقية ثابتة تاريخيا وقانونيا، يشهد على هذا الحق وثائق تاريخية هامة محفوظة في الخزانة الملكية والخزانات الخاصة، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية التي أبرمها المغرب مع الدول الكبرى آنذاك من موقع قوة ومهابة، حيث كان يحظى بالاحترام والمهابة. وكما تكشف وثائق الأرشيف الفرنسي الاستعماري كيف تعرضت الأراضي المغربية قبل أن يقطع المستعمر الفرنسي مساحات شاسعة منصحرائها الشرقية الغنية بثروات النفط والغاز، ويبرز خرق الجزائر للعهود المتعلقة بالتفاوض مع المغرب بشأن الأراضي الملحقة بترابه من طرف الاستعمار، وعدم احترامها للاتفاقية التي وقعت سنة 1961 بين الملك الراحل الحسن الثاني ورئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية فرحات عباس.

حرب الرمال صراع الحدود وسيادة المغرب

اعترفت الحكومة الجزائرية المؤقتة في سياق التوترات الحدودية بعد الاستقلال، بأن قضية الأراضي، التي رسمتها فرنسا بحدود اعتبرت جائرة، ستجد حلها لاحا عبر مفاوضات ثنائية مع المغرب بعد نيل الجزائر استقلالها، لكن الشكر الذي قدمه المغرب باحتضانه المقاومة الجزائرية طيلة سنوات الكفاح المشترك لم يلق تقديرا عسكرا، إذ شنت قوات جزائرية هجمات واسعة على مناطق: تنجوب وحاسي بيضة، وقصر “إيش” شمال فيكيك المغربية، بمشاركة قوات كبيرة وتدخل للطيران الجزائري، كما استهدفت تندرارة في نفس الإقليم، وجميعها لم تكن مناطق النزاع القائم آنذاك، أدت هذه الاعتداءات إلى اندلاع ما عرف لاحقا باسم “حرب الرمال”، التي أسفرت عن انتصار مدو للجيش المغربي، وقدرة المملكة المغربية على الدفاع عن سيادتها وحدودها، لم ينس الجزائريون تلك الحرب، رغم مرور عقود، على الحرب التي اندلعت سنة 1963، واستمرت لتتردد عبر الزمن مقولة الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة: “المغاربة حكرونا”، قبل أن تتدخل عدد من الدول الإفريقية والصديقة لوقف إطلاق النار واحتواء الأزمة.

الصحراء الجنوبية والموروث الاستراتيجي

تشكل الصحراء المغربية الجنوبية، الممتدة من السمارة وبوجدور إلى الداخلة وتيرس الغربية، عاصمتها التاريخية كلميم، ما يشكّل عمقًا استراتيجيا للمغرب وامتدادا حيويا آخر للجغرافيا الوطنية، يشكّل عمقا استراتيجيا للمغرب، لا يستغرب أن تكون بعض قيادات البوليساريو من مناطق كلميم وطاطا وطانطان، أي من نسيج اجتماعي مغربي أصيل، مما يجعل توظيفهم في الصراع الإقليمي أشبه بما يعرف الطابور الخامس ضد وطنهم الأم، وقد شكّلت معركة إيسلي سنة 1844 منعطفا حاسمًا في هذا التاريخ، حين مني المغرب بهزيمة قاسية أمام الجيش الفرنسي، أفقدته جزءا من هيبته الإقليمية، بعد أن كانت فرنسا نفسها تتفادى الاصطدام به سابقا، لكن أطماع باريس في شمال إفريقيا، بما فيها المغرب، تعود إلى القرن السادس عشر، نظرا لأهمية موقعه الاستراتيجي للتجارة مع آسيا، وعندما اصطدم الفرنسيون بالإمبراطورية المغربية، اضطروا إلى الاعتراف بخصوصيتها التاريخية، مقابل غياب كيان جزائري مستقل آنذاك، حيث اقتصرت السيطرة على مدن ساحلية تحت نفوذ القراصنة.

إرث الاستعمار والعداء الجزائري للمغرب

أطلقت فرنسا على الجزائر عقب احتلالها سنة 1830،تسمية *الجزائر الفرنسية*، كانت حدودها الجنوبية آنذاك لا تتجاوز منطقة التل الصحراوي حتى سنة 1865، بمساحة لا تتجاوز 500 ألف كيلومتر مربع، وفق ما تشير إليه المصادر الجزائرية نفسها، وما تلا ذلك من توسع استعماري جاء على حساب أراض مغربية وطوارق مالي، ما يفسر لاحقا تصنيف مسؤولين دوليين لتلك المناطق بأنها أراض مالية تحت السيطرة الجزائرية، ما خلق توترا دبلوماسيا مستمرا مع دول الجوار، يفسر هذا الإرث الاستعماري جزءا كبيرا من العداء البنيوي للجزائر على مستوى السلطة والمجتمع، إتجاه المغرب، وعبر سياسات ممنهجة في التعليم والإعلام، تجلّت في ردود الفعل العدائية صوب أي حدث ثقافي أو فني مغربي، كما أن أصواتا جزائرية مستقلة، منهم بوعلام صنصال الذي أشار إلى مغربية بعض المناطق، أو عبده السمار الذي اعتبر نزاع الصحراء المغربية مفتعلا لأغراض الردع، ما يعكس بجلاء حجم انعدام الثقة في النظام الجزائري إتجاه نقده أو مساءلته.

حكمة الصمت المغربي وحسابات السيادة

جنبت الحكمة المغربية، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، الخوض العلني في هذا الملف الدقيق، دون أن يُفهم منه شكل من الأشكال التنازل النهائي عن الواقع القائم، فقد كان الصمت، في لحظات مفصلية، اختيارا استراتيجيا محسوبا، خاصة في ظل انشغال الدولة باستكمال وحدتها الترابية وسيادتها على أقاليمها الجنوبية، وفي هذا الإطار، تكتسي شهادة قيادي سابق في جبهة التحرير الوطني الجزائري، دلالة سياسية بالغة، حين كشف أن الجزائر التزمت الصمت خلال مؤتمر طنجة سنة 1958 بشأن قضية الحدود، عقب اكتشاف فرنسا لحقول النفط والغاز في الصحراء الشرقية، ما دفعها إلى إعادة ترتيب حساباتها الاستعمارية، بل إن باريس قد عرضت، في وقت سابق، على المغرب مقايضة دعمه للثورة الجزائرية بالتخلي عن تلك الصحراء، غير أن خيارات النخبة آنذاك لم تكن في مستوى الرهانات الاستراتيجية، فاختارت مساندة جار سرعان ما نكث وعوده، يتجدد اليوم المنطق ذاته: فالتضامن مع القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، يظل التزاما أخلاقيا ثابتا، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب الأولوية الوطنية، أي صيانة الوحدة الترابية، إذ إن السياسة، كما أثبتت دروس التاريخ، لا تدار بمنطق العاطفة وحدها، بل بحسابات المصالح العليا للدول.

تندوف بين الذاكرة التاريخية وحدود الاستعمار

لم تكن تندوف، من الناحية التاريخية، ضمن المجالات المشمولة باستفتاء تقرير مصير الجزائر، ولك يفتعل المغرب حرب الرمال، بل فُرضت عليه إثر اعتداءات مباشرة طالت حدوده الشرقية، أما اتفاقية 1972، رغم إيداعها لدى الهيئات الدولية، فإن الإخلال ببنودها أفقدها مشروعيتها السياسية وأثار حولها تحفظا أخلاقيا وقانونيا، خصوصا في سياق إقليمي معقد إذ كان يرزخ المغرب تحت ضغوط استعمارية متعددة، وتبقى المفارقة الأبرز أن الجزائر، التي ترفع خطاب مناهضة الاستعمار في الصحراء المغربية، لا تتردد في التمسك بحدود رسمها الاستعمار الفرنسي وتقديمها باعتبارها مكسبا سياديا، غير أن التاريخ، بما يحمله من محطات مؤلمة، من طرد المغاربة سنة 1975 إلى شهادات قادة المرحلة، تكرس حقيقة راسخة مفادها أن الجغرافيا قد تقسم بفعل القوة، لكن الذاكرة لا تمحى، والحقائق التاريخية لا تسقط بالتقادم.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×