اعتقال مادورو صدمة تعيد ترتيب الأوراق
شهد اليوم الثالث من السنة الجديدة تحولا غير مسبوق في معسكر مناهضي واشنطن بأمريكا الجنوبية، بعد أن جرى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية أميركية الأولى من نوعها منذ غزو بنما سنة 1989، لم يكن هذا الحدث خبر سياسي مفاجئ، بل شكل صدمة ذات أبعاد جيوسياسية واسعة، لما يمثله مادورو من رمز للمواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة، كونه ملاحقا دوليا بتهم تتعلق *بإلإ_ر_ه_ا_ب وتهريب المخدرات*، وايضا دعم مادورو المتكرر للقضايا المناهضة للاستعمار، على رأسها قضية البوليساريو، لأنه يمنح هذه الملفات شرعية رمزية، ويغذي سردية تاريخية أوسع ترى النزاع الإقليمي امتدادا للصراعات ضد النفوذ الاستعماري، ما يعكس قدرة هذه الدول على استخدام الرمزية السياسية كأداة للضغط الدولي.
المغرب يكثف دبلوماسيته بأمريكا اللاتينية
يسعى المغرب إلى احتواء تداعيات الاصطفاف الفنزويلي مع البوليساريو الذي أشعل توترات دبلوماسية سابقة، بدءا بقطع العلاقات مع كاراكاس سنة 2009 احتجاجا على دعمها للبوليساريو،حيث يؤكد المغرب إدراكه لأهمية التموقع الفنزويلي في هذا الملف، ومع تصاعد الأزمة السياسية في فنزويلا، فتحت قنوات التواصل مع خوان غوايدو في 2019 كرئيس انتقالي، سعيا لتجاوز إرث مادورو الإيديولوجي وفتح نافذة دبلوماسية عملية بعيدة عن البعد الرمزي للتحرك، ويرى المحللون أن دعم كاراكاس للبوليساريو يدرج ضمن سياق إقليمي أوسع مرتبط بقضايا تقرير المصير ومناهضة ما يسمى بالاستعمار، ما منح المرتزقة حضورا في فضاءات سياسية خارج إفريقيا، يبقى أثر هذا الدعم غالبا رمزيا أكثر من كونه مؤثرا في صنع القرار الإقليمي، وقد عزز المغرب في السنوات الأخيرة ثقله الدبلوماسي في أمريكا اللاتينية والكاريبي، مستفيدا من مراجعات بعض العواصم لمواقفها من نزاع الصحراء المغربية، ما أدى إلى انسحاب و تجميد اعتراف دول منها: الإكوادور وأوروغواي، ودعم الحكم الذاتي المغربي كخيار جاد وواقعي لإنهاء هذا النزاع المفتعل، بلور المغرب في هذا الإطار رؤية استراتيجية “أطلس جنوب–أطلس جنوب”، عبر مبادرات فكرية وعملية تشمل أوراق مراكز بحثية، من أجل تحويل الرباط إلى منصة وصل بين أمريكا الجنوبية وإفريقيا الأطلسية في مجال الموانئ، الزراعة، الطاقة المتجددة والاستثمار.
غياب مادورو يضعف محور البوليساريو
يضعف المشهد السياسي غياب نيكولاس مادورو المحور الداعم للبوليساريو، إذ يحد من وزن صوت كاراكاس داخل الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، ويقلص قدرة البوليساريو على توظيف هذا الامتداد الإقليمي، وقد يفضي الوضع إلى انتقال سياسي، سواءا عبر نائبة الرئيس أو من خلال سلطة انتقالية أقرب لواشنطن، وسيتحول ملف الصحراءالمغربية إلى ورقة تفاوضية، بما يفتح أمام الرباط هامشا لتقديم عروض تعاون في مجال الاقتصاد، الطاقية والوساطة الإفريقية، مقابل مراجعة فنزويلا موقفها من البوليساريو، وكما تحمل هذه التحولات، في الوقت ذاته، رسالة ضمنية لدول المنطقة مفادها أن الاصطفاف مع ما يعرف بمحور الممانعة *فنزويلا، إيران، كوبا، نيكاراغوا* لا يحمل ضمانات حقيقية على مستوى المردودية السياسية أو الاستراتيجية، في المقابل يتيحه خيار الانفتاح على الرباط ما يعود من أرباح اقتصادية ودبلوماسية قابلة للتحقيق، ترسخ مكانة المغرب كحليف يعتمد نهجا واقعيا في ملف الصحراء، حيث ينظر إلى مادورو، من زاوية جزائرية، نموذجا لنظام ريعي قائم على عائدات النفط وخطاب *الثورة ومناهضة الإمبريالية*، غير أن غياب مادورو يمثل ضربة مزدوجة للجزائر، إذ تفقد واجهة مؤثرة كانت تعزز موقفها في معركة الاعتراف ودعم البوليساريو، خصوصا داخل فضاء أمريكا الجنوبية الذي كان يعتبر سابقا أحد الساحات التقليدية، كما يضيق تهميش التيار المادوري هامش المناورة الجزائرية في هذا الملف، ويكشف الحدث على المستوى الرمزي، هشاشة نموذج الحكم لدى جزء من النخبة الجزائرية، ويبرز مدى تحالفات أنظمة الدولة–الثورة للاختراق عندما تتقاطع هشاشتها الداخلية مع ضغوط خارجية شديدة، وفي الوقت نفسه، يزيد هذا التوتر والضغط على الجزائر في علاقتها مع واشنطن، واضعا البلاد أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على خطاب مناهض للتدخلات الخارجية، وضمان قنوات تواصل فعالة مع الإدارة الأميركية.
اعتقال مادورو يقلب موازين النفوذ الإقليمي
يواصل المغرب على ضوء هذه التحولات المتسارعة، ترسيخ مقاربته الاستراتيجية عبر حزمة متكاملة، تشمل توقيع مذكرات تفاهم اقتصادية، تطوير الربطين البحري والجوي، وتفعيل دبلوماسية برلمانية نشطة، إلى جانب توظيف أوراقه الحيوية في مجال الفوسفاط والأسمدة، والأمن الطاقي والغذائي، ويرتقب أن يساهم اعتقال نيكولاس مادورو تسريع إعادة تموقع عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما فيهم أنظمة محسوبة تقليديا على القرب من واشنطن، لشراكات اقتصادية وأمنية أوثق مع الرباط، من دون الانخراط في أي مسار للمواجهة مع الولايات المتحدة أو أوروبا، وحتى التيارات اليسارية الراديكالية، التي تسعى لإبراز مادورو رمز للمقاومة، ستجد نفسها أمام هامش تأثير أضيق في توجيه السياسات الخارجية لبلدانها، في ظل تراجع رصيدها الشعبي وصعود تحالفات وسطية أو يمينية أكثر براغماتية، لا يكتسي اعتقال مادورو بعدا فنزويليا داخليا فحسب، بل يشكل منعطفا مفصليا في موازين القوى الإقليمية والدولية، إذ يضعف محور البوليساريو في أمريكا الجنوبية ويحد من النفوذ الجزائري، وفي المقابل يفتح أمام الرباط آفاقا واسعة لموقعها الدبلوماسي والاقتصادي، واختبار دور الوسيط الإقليمي القادر على تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية محسوبة، دون الانزلاق إلى صدامات كبرى.














