العمل الجمعوي بالجالية المغربية رافعة للهوية
احتضنت القنصلية العامة للمملكة المغربية ببروكسل، يوم الجمعة 27 مارس 2026، لقاءا ثقافيا بارزا، في سياق الاهتمام بقضايا الهوية والاندماج داخل مجتمعات الاستقبال، وقد ركز الحدث على الدور المحوري للعمل الجمعوي كآلية استراتيجية لنقل القيم والحفاظ على الهوية داخل أوساط الجالية المغربية، كونها رافعة أساسية لترسيخ اندماجها في النسيج المجتمعي البلجيكي.
بين الهوية الأصلية ومتطلبات الاندماج
جاء اللقاء في صيغة نقاش فكري مفتوح، شكل مناسبة لإطلاق مؤلف سوسيولوجي بارز بعنوان: “البناءات الهوياتية والاستراتيجيات الأسرية: ثلاثة أجيال مغربية والحياة الجمعوية في بلجيكا”، الصادر سنة 2023 للباحثين ريم عرارة وجمال الدين تدلاوي، يستند هذا العمل الأكاديمي إلى أطروحة دكتوراه، يرصد تحولات الهوية لدى المغاربة في بلجيكا عبر ثلاثة أجيال متعاقبة، يكشف الكتاب، من خلال مقاربة تحليلية دقيقة، عن مسارات متباينة لتشكل الهوية، بدءا بالجيل الأول المرتبط بهجرته باتفاقيات الشغل المغربية البلجيكية لسنة 1964، مرورا بجيل التجمعات العائلية خلال سبعينيات القرن الماضي، ووصولا إلى الجيل الثالث من البلجيكيين ذوي الأصول المغربية، الذين يواجهون تحدي بناء هوية مزدوجة تجمع بين الانتماء الثقافي الأصلي ومتطلبات الاندماج في المجتمع الأوروبي.
الرأسمال الجمعوي ركيزة اندماج للأجيال
يسلط العمل البحثي الضوء على مركزية “الرأسمال الجمعوي”، باعتباره ركيزة أساسية في مسار الأجيال المغربية ببلجيكا، حيث تجاوزت أدوار الجمعيات حدود التأطير الاجتماعي لتشمل نقل القيم والمعارف، والتضامن، وتيسير اندماج الأفراد، في انسجام واضح مع دور الأسرة كحاضنة أولى للهوية، إذ استعرض الباحث جمال الدين تدلاوي، أستاذ علم الاجتماع والوسيط الثقافي بجامعة شيربروك، التحولات التي عرفها النسيج الجمعوي المغربي في بلجيكا، موضحا كيف مكن هذا الرأسمال التراكمي الأجيال الأولى من التكيف مع بيئة جديدة، وبناء شبكات اجتماعية متماسكة شكلت قاعدة لاستمرار الحضور المغربي الفاعل داخل المجتمع البلجيكي.
مسارات رائدة لاندماج متوازن
لم يقتصر اللقاء على بعده الأكاديمي، بل إكتسى حمولة رمزية عميقة، من خلال استحضار مسارات الجيل الأول من المهاجرين المغاربة، الذين نجحوا، بفضل التزامهم ومثابرتهم، في ترسيخ نموذج اندماج متوازن، يحافظ على الخصوصية الثقافية دون أن ينغلق عن محيط الاستقبال، وقد جرى هذا الحدث بحضور القنصل العام حسن التوري، إلى جانب نخبة من فعاليات الجالية المغربية، في لحظة تفاعلية عكست امتداد حضور هذه الجالية لأزيد من ستة عقود، وما راكمته من إسهامات نوعية على المستويين الاجتماعي والثقافي.
حين يصنع العمل الجمعوي جسور الحوار
اتسم امتداد النقاش بعمق وتعدد، حيث قدم المؤلف قراءات متقاطعة لعدد من القضايا المحورية، همت نقل القيم بين الأجيال، وتحولات الهوية، واستراتيجيات الاندماج داخل النسيج الأسري، حيث برز توافق على أن العمل الجمعوي يظل ركيزة أساسية لترسيخ التماسك الاجتماعي، وأيضا رافعة فعالة لترسيخ الحوار بين الثقافات، تندرج هذه المبادرة ضمن رؤية تعتمدها القنصلية المغربية ببروكسل، قوامها إرساء فضاءات للنقاش العمومي الرصين، وتثمين المبادرات الفكرية والمجتمعية التي تجسد حيوية الجالية المغربية، وتكرس موقعها كشريك فاعل في بناء جسور التواصل والتفاهم بين المغرب وبلد الإقامة.














