المحكمة الدستورية تلغي مقتضيات
أصدرت المحكمة الدستورية قرارا يقضي بعدم دستورية عدد من المقتضيات الواردة في قانون المسطرة المدنية المحال إليها، ما يمثل نقطة فاصلة في مسار تطور المنظومة التشريعية بالمملكة، يعكس هذا القرار حرص المحكمة على التأكد من توافق النصوص القانونية مع روح دستور 2011، خاصة فيما يتعلق بالمبادئ الأساسية لفصل السلطات وحماية الحقوق والحريات، ولمراجعة شاملة لقانون المسطرة المدنية، من أجل ضمان احترام التوازن الدستوري والضمانات القضائية لمواجهة التحديات المتعلقة باستقلال القضاء حماية للحقوق والحريات.
تعقيد في قانون المسطرة المدنية
أكد قرار المحكمة الدستورية في هذا السياق على صلاحيتها الدستورية في مراجعة القوانين، معززة بذلك دورها الحاسم في مراقبة التوافق بين التشريع والدستور، سلط القرار الضوء على الخلافات الحادة التي شهدها البرلمان حول قانون المسطرة المدنية، خاصة في ظل الجدل المتصاعد حول بعض فصوله التي منحت وزير العدل صلاحيات واسعة تتداخل مع استقلالية السلطة القضائية، وصفت هذه الصلاحيات بالتدخل المباشر وأثارت مخاوف من انتهاك مبدأ فصل السلط وضرب ضمانات حقوق الدفاع، ما يبرز هشاشة التوازن بين السلط ويعيد فتح نقاشات دستورية جوهرية حول مدى احترام مبادئ العدالة وسيادة القانون.
البرلمان بين السياسة والدستور
لا بد من التذكير بأن التشريع والسياسة يجب أن يلتزما بأحكام الدستور، إذ لا يمكن اعتبار القانون تعبيرا حقيقيا عن الإرادة العامة ما لم يكن متوافقا تماما مع القواعد الدستورية، يشكل هذا المبدأ حجر الزاوية في عمل المجلس الدستوري الفرنسي، الذي يركز على القراءة التركيبية الشاملة للنصوص التشريعية، نهج ينسجم مع روح دستور 2011 الذي تجاوز ضمان استقرار المؤسسات إلى ترسيخ الحقوق والحريات التي تعرضت لتراجع في مراحل سابقة، وينص الفصل 132، الفقرة 3 من دستور المملكة لسنة 2011، على أنه “يمكن للملك، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، إحالة القوانين قبل صدور الأمر بتنفيذها إلى المحكمة الدستورية للفصل في دستوريتها”، وتخص إحالة هذه القوانين التي أقرها البرلمان، وإحالتها من رئيس مجلس النواب في ظل الخلافات الحادة حول تفسير دستوريتها، تعد خطوة دستورية استثنائية ذات دلالة رمزية كبيرة، ولا يخفى أن هذه الممارسة تمثل سابقة برلمانية، إذ لم يلجأ رئيس مجلس النواب خلال عقود إلى ممارسة هذا الحق، خاصة وأن أغلب مشاريع القوانين تحظى بموافقة الأغلبية التي ينتمي إليها الرئيس نفسه، أصبح في المقابل خمسة أعضاء بمجلس النواب يمارسون بانتظام حق إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية، وفق ما نص عليه الفصل نفسه.
مراجعة دستورية للتشريع
تشير الممارسات البرلمانية إلى تكرار حالات إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية، حيث قدم 107 أعضاء طلبا في 31 فبراير 2012 لإعلان مخالفة مقتضيات قانون المالية رقم 12-115 للسنة المالية 2013، وفي 26 يوليو 2013 طالب 87 عضوا بعدم مطابقة القانون رقم 01-129 المتعلق بتعديل المادة 139 من القانون 01-22 الخاص بالمسطرة الجنائية، وايضا تقدم 120 عضوا في 25 ديسمبر 2013 بطلب إعلان مخالفة قانون المالية رقم 13-110 للسنة المالية 2014، وعلى صعيد آخر، يتمتع الملك بضمانة مؤسساتية تتيح له طلب “القراءة الجديدة” من البرلمان، وهي ليست آلية اعتراض نهائي على النصوص التشريعية، بل وسيلة لتحفيز إعادة تقييمها ومراجعتها بشكل أعمق، في هذا السياق، جاء قرار المحكمة الدستورية الأخير ليعلن عدم مطابقة الفقرة الأولى من المادة 17 من قانون المسطرة المدنية مع دستور 2011، استنادا إلى انتهاكها الفصل السادس الذي يؤكد أن القانون هو التعبير الأسمى عن إرادة الأمة، والفصل 117 الذي يمنح القاضي اختصاص حماية الحقوق، بالإضافة إلى الفصل 126 الذي يلزم الجميع باحترام الأحكام القضائية النهائية، مما يسلط الضوء على تعارض جوهري بين نصوص القانون والضمانات الدستورية الأساسية.
خلل دستوري في الصلاحيات
أوضح المجلس الدستوري أن الصياغة المطلقة وغير المحددة للفقرة الأولى من المادة 17 تتيح للنيابة العامة إمكانية طلب إبطال المقررات القضائية بما يتجاوز نطاق الاستثناءات الدستورية المقررة، مما يشكل خرقا لمبدأ راسخ في ضمانات استقلال القضاء، أما فيما يتعلق بمبدأ فصل السلطات، فقد قضى القرار بعدم دستورية الفقرتين الأولى من المادتين 408 و410، اللتين منحتا وزير العدل، بصفته عضوا في السلطة التنفيذية، صلاحيات غير دستورية في تقديم طلبات الإحالة بناءا على شكوك تتعلق بتجاوز القضاة لسلطاتهم، يعكس هذا التداخل بين السلطات خللا جوهريا في هيكلية قانون المسطرة المدنية، وإضعاف من تكاملها مع باقي الأنظمة المسطرية والموضوعية، كما يهدد المبادئ الدستورية الأساسية، وعلى رأسها استقلال القضاء وفصل السلطات وضمان حقوق الدفاع، تبرز هذه الملاحظات عن ضعف البنية التشريعية للقانون، وتسلط الضوء على ضرورة عاجلة لإعادة صياغته بما ينسجم مع الضمانات التي يكفلها الدستور.














