وزارة التربية الوطنية تقدم وعودا
أعلنت وزارة التربية الوطنية، خلال اجتماع اللجنة العليا للحوار القطاعي المنعقد الأربعاء، لاحتواء الغضب المتنامي داخل المنظومة التعليمية، عن مجموعة من الالتزامات الجديدة وصفتها النقابات “بالسطحية” و”البعيدة عن جوهر الأزمة”، ووفق مصادر نقابية مطلعة، تعهدت الوزارة بإرجاع المبالغ المقتطعة من أجور الشغيلة التعليمية ابتداءا من أكتوبر 2025، مع صرف تعويضات تكميلية لفئات محددة، تفتقر هذه الوعود بحسب ذات المصادر، إلى خارطة طريق واضحة أو آليات تنفيذ تضمن جدية التطبيق، ما جعلها في نظر النقابات مجرّد “إشارات تهدئة” لا ترقى إلى مستوى المعالجة الحقيقية للاختلالات البنيوية التي ترهق القطاع.
تعويضات معلنة وانتقادات مستمرة
بعثت وزارة التربية الوطنية، رسائل طمأنة للأسرة التعليمية، عن قرب الإعلان عن نتائج المباريات المهنية، وتخصيص تعويض تكميلي للمساعدين التربويين، مع إمكانية تعميمه لاحقا على أساتذة التعليم الابتدائي والإعدادي وبعض الفئات المتخصصة، وجددت التأكيد على أن إدماج المعنيين بالمادة 76 من النظام الأساسي سيتم بأثر رجعي، في خطوة وصفتها الوزارة بالتقدمية، رغم ما تحمله هذه الإعلانات من مؤشرات انفتاح، إلا أن النقابات تعاملت معها بكثير من التحفظ، معتبرة أن الطابع الإعلاني يغلب على مضمونها، وأنها تندرج ضمن منطق “إدارة الأزمة” بدل حلها، ووفق تصريحات ممثلي النقابات، فإن هذه الإجراءات تفتقر إلى الوضوح في التفاصيل، وتكرس ما وصفوه “بالتسويق السياسي للوعود”، دون ترجمة فعلية على أرض الواقع، ما يعمق فجوة الثقة بين الوزارة وشركائها الاجتماعيين.
تأجيل الحوار يفاقم التوتر والثقة
عبرت التمثيليات النقابية عن امتعاضها الشديد من التأخر في عقد اجتماع اللجنة العليا للحوار القطاعي، معتبرة أن هذا التأجيل لم يكن خلل في البرمجة، بل مؤشر على غياب الإرادة السياسية لمعالجة الملفات العالقة بجدية، واعتبرت النقابات أن هذا التراخي ساهم في تعميق حالة الإحباط وسط الشغيلة التعليمية، التي باتت تنظر إلى الحوار القائم كآلية شكلية تفتقر إلى المصداقية والجدوى، يكتنف هذا الشعور، حسب النقابات، ما وصفته بالغموض، في مباراة توظيف الدكاترة، والتي طعنت في نزاهتها بسبب غياب معايير شفافة ومعلنة، معتبرة أن ذلك ساهم في إحداث شرخ إضافي في الثقة بين الوزارة وشركائها الاجتماعيين، كما أعادت النقابات طرح ملفات ظلت تراوح مكانها منذ سنوات، وعلى رأسها تسوية وضعية ضحايا النظامين، ومطلب تقليص ساعات العمل، ومعالجة الترقيات المجمدة لما بعد 2016، إضافة إلى ملف المتصرفين التربويين، الذي تقرر تخصيص جلسة خاصة لبحثه، وملف التعليم الأولي الذي لا يزال يراوح مربع الوعود الغامضة دون أجوبة حاسمة من الوزارة، وفي ختام اللقاء، تم التوافق على تبادل وثائق مرجعية، حيث ستقدم النقابات مذكرة مكتوبة تتضمن مطالبها التفصيلية، على أن ترد الوزارة بمعطيات دقيقة حول مستويات تنفيذ الاتفاقات السابقة، خطوة اعتبرتها النقابات ضرورية لاختبار مدى التزام الحكومة، قبل الحسم في طبيعة التحركات المقبلة، والتي قد تأخذ منحى تصعيديا إذا لم تترجم الوعود إلى إجراءات ملموسة.
توقيت وغياب الحسم يعيق الأزمة
وصف الكاتب الوطني للجامعة الوطنية لموظفي التعليم، اللقاء الأخير مع وزارة التربية الوطنية “بالتمويه السياسي” لا أكثر، معتبرا أنه جاء في توقيت غير مناسب وفي ظرفية غير مواتية، إذ انعقد في قلب العطلة الصيفية، وتحديدا في شهر غشت، ما اعتبره دليلا إضافيا على حالة “الارتباك والتخبط” التي باتت تطبع تدبير الوزارة للملف التعليمي، وأن المخرجات المعلنة لم تحمل جديدا يلبي الحد الأدنى من تطلعات نساء ورجال التعليم، بل لم تخرج في رأيه، عن إطار التكرار والاجترار لبلاغات سابقة، دون أن تقترن بخطوات عملية تؤسس لانفراج فعلي، مؤكدا أن جوهر مطالب الشغيلة التعليمية لا يختزل في بعض الإجراءات الظرفية، بل يرتبط بإصلاحات بنيوية لم تلامس بعد، وفي مقدمتها النظام الأساسي الجديد، الذي لا يزال يثير موجات احتجاج واسعة بسبب ما وصفه “بالضبابية” التي تكتنف كثيرا من بنوده وعدم الحسم في قضاياه الجوهرية، وشدد المتحدث على أن تحسين ظروف العمل بات ضرورة ملحة وأحد المفاتيح الأساسية لإصلاح المنظومة، داعيا إلى تقليص ساعات العمل، وتوفير تعويضات للعاملين في المناطق النائية، وتوسيع نطاق التعويض التكميلي ليشمل مختلف الفئات التعليمية دون تمييز، وأعاد التذكير بملفات طال أمدها، وعلى رأسها “الزنزانة 10” وملف دكاترة التعليم، يعكسان سياسة الإقصاء والتهميش الممنهج، في ظل غياب رؤية واضحة للإنصاف الوظيفي داخل القطاع.
مطالب متراكمة وأزمة متجددة
تحاول وزارة التربية الوطنية، مع اقتراب الدخول المدرسي “كسب الوقت” لامتصاص موجة الاحتقان بدل المعالجة الجذرية، عبر ما يوصف باجتماعات شكلية لا ترقى إلى حوار حقيقي، وفي هذا السياق، تبرز النقابات تحذير من تحول القرار النضالي إلى دينامية تتجاوز الإطارات النقابية الكلاسيكية، بعدما بدأت ملامح تتشكل داخل القواعد التعليمية والفئات المتضررة، خاصة عبر التنسيقيات المستقلة التي باتت تضطلع بدور محوري في توجيه الحراك الميداني، يعكس هذا التحول علامة على تراجع منسوب الثقة في المؤسسات الوسيطة التقليدية، في ظل استمرار تجاهل رسمي للمطالب العالقة، ومحاولات “الاحتواء المؤقت” عبر إجراءات محدودة أو تعهدات مؤجلة، لن تساهم إلا في تعميق الأزمة، ما لم تقابل بإرادة سياسية حقيقية تترجم في تنفيذ فعلي لمطالب تعتبرها الشغيلة التعليمية مشروعة وملحة، لاحتواء الملفات الساخنة، حيث أصبح حضور التنسيقيات واقعا ميدانيا يعبر عن رد فعل طبيعي إتجاه سياسات التماطل، ما يجعل اختفاؤها رهينا، بل إنهاء وجودها لا يتحقق عبر حلول إدارية سطحية، وإنما يقتضي معالجة عميقة لجذور الأزمة، وعلى رأسها تجاهل المطالب الأساسية للفئات التي تمثلها.











