تقرير مجلس المنافسة رهان الشفافية
أصدر مجلس المنافسة تقريره السنوي برسم 2024، الصادر اليوم الأربعاء، المرفوع إلى جلالة الملك، للكشف عن حصيلة أنشطته وتدخلاته التنظيمية بمختلف المجالات المرتبطة بمراقبة الأسواق وضمان قواعد المنافسة، مبرزا ملامح دينامية متنامية للمجلس، إلى جانب تحديات مطروحة أمام بيئة تنافسية شفافة وعادلة.
رقابة صارمة وتدخلات ميدانية
كشف تقرير مجلس المنافسة لسنة 2024 عن هيمنة شبه مطلقة لمراقبة عمليات التركيز الاقتصادي على نشاطه، إذ استحوذت على ما يفوق 93 في المائة من مجموع القرارات، وهو ما يعكس إدراك المؤسسة لحساسية هذه العمليات في إعادة تشكيل موازين القوى داخل السوق الوطني، قد تفتح التركيزات الاقتصادية، المجال أمام تمركز غير عادل للسلطة السوقية وتقليص خيارات المستهلكين، مما يفرض يقظة مؤسساتية تحول دون بروز وضعيات احتكارية تضر بالشفافية والتنوع، برزت إلى جانب هذه المراقبة، الإحالات التنازعية كواجهة أخرى لعمل المجلس، حيث تم النظر في تسعة ملفات شملت قضايا مرتبطة بممارسات احتكارية في أسواق استراتيجية منها الأداء الإلكتروني وقطاع التدبير المفوض للخدمات العمومية، ما يوضح تنامي جرأة المؤسسة في التصدي لمظاهر الإخلال بقواعد المنافسة، وقد فعل المجلس لأول مرة مقتضيات المادة 36 من القانون 12-104، في إشارة إلى انتقاله من جهاز إداري إلى سلطة تقريرية تمتلك أدوات ردع حقيقية، كما خاض تجربة نوعية تتمثل في القيام بعملية زيارة وحجز مفاجئة في سوق خدمات التوصيل عبر التطبيقات، لتجسيد صلاحياته على أرض الواقع بدل الاكتفاء بالمراسلات والتقارير، تشكل هذه الخطوة تحولا في فلسفة عمل المجلس، إذ تعكس إرادة في إرساء نموذج جديد للرقابة قائم على التحقيق الميداني والضبط المباشر للممارسات المنافية للمنافسة، يعلن المجلس بهذا الانتقال عن مرحلة جديدة من حضوره في المشهد الاقتصادي، حيث لا يكتفي بدور استشاري أو زجري على الورق، بل يتحول إلى فاعل ميداني يضع قواعد اللعبة الاقتصادية تحت مجهر الشفافية والمساءلة.
استثمارات كبرى وتفاوت في جاذبية القطاعات
يبرز التوزيع القطاعي لعمليات التركيز الاقتصادي المرخص لها سنة 2024 ملامح واضحة لرساميل الاستثمار القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وعلى رأسها الصناعات التحويلية التي استأثرت بالمرتبة الأولى، متبوعة بالخدمات الحديثة والقطاع الصحي، يعكس هذا التوجه إدراك الفاعلين الاقتصاديين لدور هذه المجالات للتنافسية الصناعية والخدماتية، بما يجعلها محركا أساسيا للنمو ومصدرا لخلق الثروة وفرص العمل، وتكشف في المقابل محدودية الحضور في قطاعات منها، البناء والعقار والفنون عن تفاوت في جاذبية الحقول الاقتصادية، تفاوت يطرح سؤالا حول مدى قدرة هذه القطاعات على استقطاب الاستثمارات وتكييف نماذجها مع التحولات الجارية في السوق الوطنية والدولية، أما على الصعيد المالي، فإن ضخ ما يزيد عن 2812 مليار درهم في هذه العمليات، منها أزيد من 80 مليار درهم برؤوس أموال مغربية، يعد مؤشرا قويا على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في بيئة الأعمال بالمغرب، لا يترجم هذا الزخم المالي إقبالا متزايدا على السوق الوطنية، بل يعبر أيضا عن حيوية الاقتصاد وقدرته على استيعاب مشاريع اندماجية كبرى تفتح آفاقا لمزيد من التموقع في سلاسل القيمة العالمية، يظل التحدي لضمان توازن توزيع هذه الاستثمارات بين القطاعات، بما يتيح بناء قاعدة اقتصادية متكاملة توافق بين الإنتاج الصناعي، الخدمات ذات الابتكار العالي، والقطاعات التقليدية التي تحتاج إلى إعادة هيكلة لاستعادة جاذبيتها.
من الرقابة الشكلية إلى الفاعلية الميدانية
يأتي تقرير مجلس المنافسة لسنة 2024 كوثيقة تعكس تحولا نوعيا في مسار المؤسسة، من هيئة تقتصر أدوارها على إصدار القرارات والآراء إلى فاعل ميداني يمارس صلاحيات التحقيق والزجر والخوض في تفاصيل الأسواق والقطاعات الاستراتيجية، فقد أبان المجلس عن جرأة غير مسبوقة في تفعيل آلياته القانونية، سواء من خلال المراقبة الصارمة لعمليات التركيز الاقتصادي أو عبر لجوئه لأول مرة إلى إجراءات الزيارة والحجز المفاجئ في ملفات حساسة، ما يعكس إرادة واضحة في الانتقال من الرقابة الشكلية إلى ممارسة رقابة عملية وفاعلة، ويواصل المجلس أداءه الاستشاري بإصدار آراء تحليلية تمس قطاعات حيوية منها الكهرباء والفلاحة والأعلاف المركبة، مقدما توصيات تفتح النقاش حول كيفية بناء سوق تنافسية أكثر عدلا وتوازنا، يطرح هذا المسار، رغم زخمه، جملة من التحديات المرتبطة أساسا بضرورة تحديث الترسانة القانونية بما يتماشى مع تعقيدات الاقتصاد المعولم، إضافة إلى معالجة الفوارق في جاذبية القطاعات الاقتصادية، حيث يظل الاستثمار متركزا بشكل أساسي في الصناعات التحويلية والخدمات الكبرى، بينما تبقى مجالات أخرى أقل استقطابا، وأن الأبعاد المالية الضخمة للقرارات الصادرة، وتنامي حضور رؤوس الأموال المغربية في صفقات التركيز الاقتصادي، يكشفان عن ثقة متزايدة في دينامية السوق الوطنية، ويؤشران على أن مجلس المنافسة بات يرسخ موقعه كضامن للشفافية الاقتصادية وحارس لتوازنات العرض والطلب، في أفق جعل المنافسة رافعة حقيقية لتحقيق التنمية والنمو.












