دي ميستورا يختبر كسر الجمود وإحياء المسار السياسي

بقلم: مليكة بوخاري

دي ميستورا يختبر كسر الجمود وإحياء المسار

يستعد ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، لإطلاق جولة إقليمية جديدة تقوده إلى عدد من الأطراف المعنية بالنزاع، واستكشاف آفاق تحريك العملية السياسية وإعادة الزخم إلى مسار عرف تعثرا خلال السنوات الماضية، تندرج هذه التحركات ضمن الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة للحفاظ على دينامية المسار السياسي وتهيئ المناخ الملائم لاستئناف الحوار بين الأطراف، ما ينسجم مع المرجعيات والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي.

الملف يعود لدائرة الضوء

أوضح كريستوفر ثورنتون، كبير المستشارين السياسيين للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، أن ستافان دي ميستورا يستعد لإطلاق جولة جديدة من المشاورات مع مختلف الأطراف المعنية بالعملية السياسية، في إطار تنفيذ مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، ضمن مساع أممية متواصلة من أجل تحريك الملف واستكشاف آفاق جديدة للتقدم لتسوية سياسية، تندرج هذه الخطوة في سياق تنسيق متواصل بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، ما يجسد حرصا دوليا على توفير الظروف الملائمة لدفع المسار السياسي لمرحلة أكثر دينامية وفعالية، ستشمل الجولة المرتقبة كلا من المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، باعتبار الأطراف المنخرطة في المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتندرج هذه التحركات ضمن جهود المبعوث الأممي لاستكمال سلسلة المشاورات التي يجريها مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، من أجل استجلاء مواقفهم وتقييم مدى استعدادهم للتفاعل مع مقاربة سياسية جديدة قد تساهم في إعادة تنشيط العملية التفاوضية، وتحظى الرباط بأهمية خاصة ضمن أجندة هذه الجولة، بالنظر إلى تمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي باعتباره الإطار العملي والواقعي لتسوية النزاع، مبادرة تحظى بدعم متزايد على الساحة الدولية، في المقابل، تواصل الجزائر والبوليساريو الدفاع عن تصورات مغايرة بشأن مسار الحل وآلياته، أما موريتانيا، فتمضي في الحفاظ على موقعها كطرف مراقب، مع تركيزها على دعم الاستقرار الإقليمي ومساندة الجهود الأممية للتوصل إلى تسوية سياسية دائمة ومتوافق بشأنها.

محطة مفصلية للنزاع

تجسد الإشارات المتكررة إلى مستوى التنسيق القائم بين الأمم المتحدة وواشنطن حجم الإنخراط الأمريكي المتزايد في مواكبة ملف الصحراء، لاسيما في ظل الدعم الذي تبديه الإدارة الأمريكية للمساعي التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، يكرس هذا المعطى على توجها دوليا متزايدا يهم تعزيز فرص التقارب بين الأطراف وتقليص فجوة الخلافات التي ظلت تعرقل العملية السياسية خلال السنوات الماضية، تكتسي هذه الجولة أهمية خاصة لكونها تسبق الإحاطة المرتقبة التي سيقدمها دي ميستورا أمام مجلس الأمن خلال شهر أكتوبر المقبل، والتي تتضمن حصيلة المشاورات التي سيجريها ميدانيا، إلى جانب تقييم شامل لمواقف مختلف الأطراف واستشراف آفاق التسوية السياسية، وينظر إلى هذه الزيارات باعتبارها محطة مفصلية قد تحدد رسم ملامح المرحلة المقبلة،
وكشف الظروف إن أصبحت أكثر ملاءمة لإطلاق مسار تفاوضي جديد تحت إشراف الأمم المتحدة، تأتي التحركات الحالية في ظرفية تختلف عن سابقاتها، بعدما شهد الملف خلال الأشهر الأخيرة حراكا دبلوماسيا ملحوظا على المستويين الإقليمي والدولي، فلا تقتصر الجولة الجديدة على المشاورات التقليدية، بل تبدو مرتبطة أيضا باستثمار نتائج اتصالات ومباحثات سابقة جرت بدعم أمريكي، في محاولة للبناء على ما تحقق من تقارب في بعض المواقف وإعطاء دفعة جديدة للمسار السياسي، حيث يرى متابعون أن واشنطن وفرت خلال الفترة الأخيرة أرضية داعمة لجهود المبعوث الأممي، ما قد يساعده على تجاوز العراقيل التي واجهها منذ توليه مهمته، خاصة تلك المرتبطة بصعوبة جمع الأطراف حول رؤية مشتركة بشأن مستقبل العملية السياسية، كما أن القرار الأممي رقم 2797 منح زخما إضافيا للتحركات الحالية، باعتباره المرجعية التي تستند إليها الجهود لحل سياسي واقعي وعملي ومستدام.

إعادة إحياء المسار السياسي

يبقى نجاح هذه الجهود مرتبطا بمدى استعداد الأطراف المعنية لإبداء مرونة أكبر والانخراط في مقاربة تستند إلى الواقعية السياسية، بعيدا عن التمسك بالمواقف التقليدية التي ظلت تؤطر مسار النزاع لسنوات، وتشكل الجولة المرتقبة لستافان دي ميستورا اختبارا عمليا لمدى فعالية الاتصالات والمشاورات التي جرت خلال الأشهر الأخيرة، وقدرتها على تهيئة الظروف الملائمة للانتقال من مرحلة تبادل وجهات النظر إلى مرحلة أكثر تقدما قوامها التفاوض المباشر والبحث الجدي عن مخارج سياسية للنزاع، تأتي هذه التحركات في ظل سياق دولي متغير، تفرضه تحولات متسارعة أعادت صياغة أولويات القوى الكبرى وفق اعتبارات المصالح الاقتصادية والتوازنات الجيوسياسية المستجدة، وفي خضم هذه المتغيرات، باتت المقاربات الواقعية تحظى بحضور متزايد داخل دوائر القرار الدولية، مقابل تراجع وزن الأطروحات القائمة على الاعتبارات الإيديولوجية أو الشعارات السياسية التقليدية، ومن هذا المنظور، تندرج الجولة الجديدة للمبعوث الأممي ضمن مسعى أوسع يهم إعادة بناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف، وفتح المجال أمام مقاربة أكثر براغماتية تركز على الحلول الممكنة والقابلة للتطبيق، بدل الارتهان لسقف المطالب القصوى والمواقف المتصلبة، إذ تعكس هذه المشاورات توجها دوليا متناميا لتشجيع التسويات السياسية الكفيلة بالاستقرار الإقليمي ومواكبة التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، تتجه أنظار المتابعين ما ستسفر عنه هذه الجولة، ومدى قدرة المساعي الأممية، المعززة بزخم دولي متواصل ومساندة أمريكية واضحة، على إحداث اختراق في جدار الجمود الذي طبع هذا الملف لسنوات طويلة، أو على الأقل توفير مؤشرات إيجابية من شأنها إعادة بعث العملية السياسية على أسس أكثر واقعية ونجاعة وقابلية للتنفيذ.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×