حكيمة القرقوري
الدكتور أمبارك الطايعي يستعرض الهوية الثقافية والتنمية الترابية
في إطار فعاليات الدورة 29 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، نظمت اللجنة الوطنية للتربية والعلوم والثقافة،يوم الأحد 19 ماي الجاري على الساعة الرابعة مساءا برواق الثقافة بb15 الورشة الثقافية 67 ،تحت عنوان الهوية الثقافية ورهانات التنمية الترابية ،أعدها الدكتور : مبارك الطايعي ،خبير التنمية القروية استاذ علم الإجتماع بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل القنيطرة ، بحضور باحثين أكاديمين وطلبة مهتمين بهذا المجال .
وفي كلمة خبير التنمية القروية الأستاذ امبارك الطايعي أفاد أن النموذج التنموي يقوم على منطق المشروع على مستوى التنزيل، وتتخلله مستويات و آليات تعبر عن المظهر الحقيقي للحاجيات و الخصوصيات تحدد لنا الافاق المستقبلية في مسلسل التنمية الترابية .
و في إطار الجهوية المتقدمة لمفهوم التنمية أصبح لها بعد ترابي على المستوى العالمي ويقوم على ثلاث مكونات : إجتماعية ،اقتصادية وبيئية .
وفي اطار الدستور إختار المغرب توجيه التنمية إلى المسألة الترابية بمعنى جميع العمليات التي يقتضيها تنزيل مشروع التنمية الجهوية ، استحضار البعد الترابي .
منظور الهوية الثقافية
يمكن تعريف الهوية الثقافية في بعدها السوسيولوجي العام لأن الهوية الثقافية تمثل مجموع الأفكار و العادات و التقاليد و الاتجاهات التي تحدد الشخصية الإجتماعية الأساس، التي تبصم عليها طبيعة التنوع الذي يشكل ثراءا ثقافيا على المستوى الترابي ونظرا لخصوصيتها المهمة ،لابد من قراءتها خاصة حينما نكون بصدد هندسة مشروع ترابي يقوم على تأسيس لوحدات ترابية تختزل مكوناتها بقدرات تمكنها من تحقيق تنميتها الذاتية بالاساس، لاتعتمد على الاخر ، ولهذا فمفهوم التنمية الترابية في اطار الجهوية المتقدمة نجد فيه هذا البعد الكامل ، الوحدات الترابية بمكوناتها ،ومن المفروض ان تمتلك قدرات هذه العناصر التي تمثل قوة اساسية في تأسيس الخصوصيات المحلية الترابية كوحدات ،والوحدات الترابية محددة في الجهوية المتقدمة في الجهة ، العمالات، الاقاليم، الجماعات .
وأضاف الدكتور الطايعي أن المشرع أعطى مهمة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للجهة ،كإختصاص ذاتي وهذا الاختصاص المرتبط بالجهة كقائد الذي يدير شؤون الجهة على مستوى التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، لكن في التصور الترابي للجهة لا بد من تحديد مخططات ومن أهم المخططات هو مخطط تنمية الجهة PDR ، المفترض من ناحية سؤال الهوية ان يكون ل 12 جهة بالمغرب خصوصيتها و مميزاتها على مستوى الهوية المجالية، يمكن لهذه الهوية ان تكون أساس التنوع الذي نطمح اليه بعدم تغييب الهويات الثقافية الاساسية التي تنظم بها الشخصية الاجتماعية .
أدبيات التناظر في المسألة التقافية والمسألة الطبيعية
من النظريات السوسيولوجية الأولى التي تنظر للمسألة الثقافية والطبيعة هي نظرية داروين في مسألة الانتخاب الطبيعي وهي آلية بيولوجية تخضع لها جميع الأنواع في كتابه” أصل الأنواع ” ، وكتابه “أصل الإنسان ” أكد الباحثين في هذا المجال بان مفهوم طبيعة الانتخاب تكون على المستوى الثقافي ايض لان الانتخاب الطبيعي في معناه ممكن إبقاء هويات واختفاء هويات اخرى ،لكن الهويات التي تتطور هي الهويات التي تمتلك شخصيات اجتماعية يكون أساسها هو المجال، وبالتالي المشروع التنموي الذي يغيب الخصوصيات المجالية في هوياتها تغيب فيه الآفاق المستقبلية التي نطمح إليها لان التنمية يجب ان تكون في بعدها الثقافي حاضرة .
وأشار إلى مجموعة من الملاحظات أهمها :
مسألة مخططات التنمية الترابية يغيب فيها البعد الثقافي وذلك راجع لسببين :
* مخططو ا التنمية يغيبون المقاربة الثقافية في المشروع التنموي
* نوعية المقاربة المعتمدة في عملية بلورة وهندسة مخططات التنمية الترابية تغيب عنها مقاربة تقنية في بعدها التقناوي .
الهوية الثقافية تؤطرها تفاعلات الانسان، ومستويات العلاقات بين الانسان ومواردها الطبيعية، هناك اختلال بين ماهو طبيعي كمورد وحاجيات الانسان المستمرة وبالتالي مقترحات التنمية،قد تستحضر هاذ البعد ، مخططات التنمية تقوم على مبدأ التخطيط من سنة 1961 الى 1969 ،كان المسار التنموي المغربي في مرحلة انتقالية وهي بناء الدولة الحديثة التي تقتضي ميكانيزمات وروح وطنية ولكن هذا البناء تشوبه اعطاب حقيقية تركها الاستعمار من حيث الموارد .
بدأ المغرب في مرحلة المخططات لكن كان غياب دراسات محلية وطنية في هذا المستوى، عكس المانيا التي بدأت من الصفر بعد الحرب العالمية الثانية في مخطط اقتصادي واجتماعي على معادلة الانسان الألماني بخصوصيته الثقافية التي تشكل هويته وارتباطه بمشروعه بأرضه وبطموحاته
تم اقتباس هذا المخطط ،وطبق في أندونيسيا لكن لم يعطي نفس النتائج لأنه قائم على معادلة الانسان الألماني .
المخططات عملية دينامية تتفاعل، وليست جامدة وطلب المشرع تحيينها بعد سنتين، فلابد للعمل في بعدها المؤسساتي، لان الجهات يجب ان تؤطر مشروعا تنمويا عن طريق البعد المؤسساتي، الذي يؤطر المجتمع خاصة فيما يتعلق بالوحدات الاجتماعية، التي تنخرط في مشروع تنموي ، كما يجب ان تحس ان المشروع التنموي للجهات او العمالات والأقاليم أو الجماعات يعكس شخصيتها الاجتماعية هويتها المجالية .
فكرة التطور الثقافي
التقافة تتطور بتطور الفاعلين، وقد استحضر هنا الدكتور مبارك الطايعي نمودج اليابان الذي يعد من الدول العظمى التي تستمد خصوصيتها التقافية في العلاقات، وما يربط الأفراد بينهم، من مكونات عقدية او قيمية تؤسس المجتمع ولازالت حاضرة وهي أكبر المجتمعات المحافظة لكنها أكثر انفتاحا على الثقافات الأخرى ،مشيرا الى امريكا الى مقال الجابري في أحد نقاشاته عن الثقافة، عن الفرق في اللغة الإنجليزية واللغة الإنجليزية الأمريكية ونستشهد هنا بما قاله عابد الجابري : “وما زلت أتذكر شابا أمريكيا كان معنا وكان يتكلم و”يمضغ” الحروف والكلمات على طريقة بعض الأمريكيين، إلى درجة يصعب معها فهم ما يقول، حتى على الذي قضوا سنوات في ذلك البلد! قلت له: لماذا لا تتكلمون بوضوح ولا تبينون الكلمات كما يفعل الإنجليز وهم أصحاب اللغة؟ فأجاب وهو يبتسم: “هذا جزء من خصوصيتنا وهويتنا، وبه نكون “الأمريكان” وليس “الإنجليز”. يجب أن تكون لنا طريقتنا في الكلام ” .
لهذا أصبح العلماء بين حدين إما أن تؤسس ثقافتك وتكون لها هوية وحدود يطبعها التجديد والتفعيل والتطور وإما ان تختفي وتنهار ، واختتم خبير التنمية القروية. الأستاذ مبارك الطايعي مداخلته بمجموعة من التوصيات والمقترحات يمكن إدراجها فيما يلي :
* تقوية قدرات المؤسسات على مستوى الوحدات الترابية في الجهة
* تقوية قدرات المجتمع المدني لأنه في درجته وقوة ، ومقياس نربط به درجة الوعي ودرجة التطور، لأن عمل تنظيماته لازال ضعيفا ولايرقى الى مستويات كبيرة.
– أن يؤسس المجتمع المدني قوة اقتراحية مجتمعية وان يكون حامل لمشروع .
– إنخراط االجامعات في مسلسل التنمية الترابية ببعدها الثقافي لدوره الفعال في مجال تنمية الوعي الثقافي و القدرة على التخطيط والتنفيذ للكثير من برامج التنمية الثقافية لما تملكه من قوى تدريسية وبحثية محلية.
يعد اهتمام حقل سوسيولوجيا التنمية بالجوانب الثقافية في معالجة قضايا التنمية ينطلق من فكرة محورية وهي أن الانسان”كائن ثقافي” بامتياز، لذا فمختلف سلوكاته وممارساته ترتكز على هذا المبدأ ما دام يعيش داخل مجتمع له ثقافته الخاصة، وتبعا لهذا المنطق، “فعمق فهمنا للثقافة يقربنا أكثر من كسب رهان فهم سلوك الفرد وحركية المجتمع البشري بعد ذلك يمكن للمعنيين بمخططات واستراتيجيات التنمية، أن يشرعوا في رسم مخطط وتصور لتنزيل وتطبيق مشاريعها، وفق منطق يتماشى وخصوصية المجتمع الثقافية، وتطلعات أفراده، ومتطلباتهم المشتركة، كي لا تصبح هذه المشاريع التنموية مصدر ضرر للساكنة، ولن تحقق هذه الغاية إلا بإجراء أبحاث ميدانية معمقة لفهم ثقافة المجتمع ونمط عيش أفراده، قبل تنزيل المشاريع التنموية .














