المستشفى الإقليمي الزموري بالقنيطرة
مليكة بوخاري
شهد المستشفى الإقليمي الزموري بمدينة القنيطرة محطة بارزة في انفتاح المؤسسة الصحية على محيطها المجتمعي، من خلال إحيائه لليوم العالمي للامتناع عن التدخين، الذي يصادف 31 ماي من كل سنة، بتنظيم النسخة الأولى من “الأبواب المفتوحة” تحت شعار دال: “منتجات التبغ والنيكوتين: لفضح أساليب الإغراء التي تستخدمها صناعة التبغ”.
توعية بمقاربة تشاركية
لم يكن الحدث مجرد تخليد مناسباتي، بل حمل في طياته رسالة أعمق مفادها أن التوعية الصحية لم تعد ترفا إعلاميا، بل ضرورة استراتيجية في زمن تتطور فيه آليات تسويق الإدمان بسرعة تفوق قدرة المنظومات الصحية التقليدية على المواكبة، وقد اختار المستشفى أن يواجه هذه التحديات من داخل المجتمع، لا من خلف جدران الاستشفاء، عبر تفعيل مقاربة تشاركية تقوم على التحسيس، والانفتاح، وتبسيط المعلومة الصحية، خصوصا للفئات الأكثر عرضة للاستهداف من طرف صناعات التبغ.
صحة برؤية شمولية
تأتي هذه المبادرة لتعبر عن وعي متنام بضرورة تتجاوز الأدوار العلاجية الكلاسيكية، وتكريس مفهوم شامل للصحة، يجعل من الوقاية والتثقيف الصحي محورين أساسيين في السياسات العمومية، خاصة في ظل الأرقام المقلقة المرتبطة بتنامي استهلاك التبغ والنيكوتين وسط الفئات الشابة.
تحرك ضد صمت قاتل
لم تكن هذه الخطوة مجرد نشاط مناسباتي عابر، بل بدت كتحرك مدروس لمحاولة كسر دائرة الصمت حول واحدة من أكبر الصناعات التي تسوق الموت المغلف في واجهات براقة.
حضور رسمي داعم
وقد حظيت هذه التظاهرة التحسيسية بحضور رسمي وازن، عكس أهمية الموضوع في صلب أولويات الفاعلين العموميين على المستوى الإقليمي، فقد شارك في هذا الحدث كل من المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ومدير المركز الاستشفائي الإقليمي الزموري، إلى جانب المدير الإقليمي لوزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع الشباب، ورئيس المجلس العلمي المحلي بالقنيطرة، كما حضر الباشا رئيس الدائرة الحضرية معمورة ممثلا لعامل الإقليم، حضور هذه الشخصيات عكس حرص مختلف المؤسسات على توحيد الجهود في مواجهة آفة التدخين، وتكريس مقاربة مندمجة تتجاوز البعد الصحي لتشمل أبعادا تربوية، دينية، وتنموية.
رسائل توعوية جيل بلا تدخين
تأتي هذه المبادرة لتجسد مقاربة شمولية تهدف إلى توعية مختلف فئات المجتمع، وفي مقدمتها الشباب والأسر، بمخاطر التدخين وتعاطي منتجات التبغ والنيكوتين، وذلك عبر تقديم مضامين تحسيسية تتجاوز الخطاب التقليدي نحو أساليب تواصل مبتكرة وملموسة، كما شكل الحدث فرصة للتعريف بالخدمات العلاجية والصحية التي يقدمها المركز الاستشفائي الإقليمي الزموري، وتسليط الضوء على المهن الطبية المتوفرة داخله، في إطار تعزيز ثقافة القرب الصحي والانفتاح على المحيط المجتمعي، وقد تم تقديم عرض تفاعلي إعلامي تناول الآثار الصحية الخطيرة المرتبطة باستهلاك التبغ ومشتقاته، والتأكيد على أهمية الوقاية كأساس لحماية الأجيال المقبلة، ليتوج بإعلان رسمي عن إطلاق مبادرة “المركز بدون تدخين”، في خطوة رمزية تؤسس لمرحلة جديدة من الالتزام المؤسساتي لمكافحة هذه الآفة.
محطات توعوية هادفة
ومن أبرز محطات هذه الفعالية، ثلاث ورشات توعوية تفاعلية صممت خصيصا لتقريب المفاهيم الصحية من عموم الزوار: الأولى خصصت للتعريف بالمستشفى، وخدماته، ومختلف المهن الصحية العاملة به، بينما عرضت الثانية كبسولات توعوية جسدت بالأرقام والصور الأضرار الجسدية للتدخين، أما المحطة الثالثة، فسلطت الضوء على حماية الأطفال من التبغ، حيث شهدت تلاوة “إعلان حقوق الطفل” وتوقيع لوحة رمزية بعنوان: “أتعهد بحماية أطفالي من التبغ”، في لحظة مؤثرة ذات حمولة إنسانية وتربوية عالية.
الصحة في قلب المجتمع
تجسد مبادرة “الأبواب المفتوحة”، التي أطلقها المركز الاستشفائي الإقليمي الزموري بالقنيطرة، خطوة متقدمة نحو إعادة تموقع المؤسسة الصحية في قلب محيطها المجتمعي، من خلال الانفتاح على المواطنين بمقاربات تواصلية حديثة تستهدف التوعية، والتحسيس، وتقريب الخدمات، هذه الدينامية الجديدة تعبر عن وعي متنام بأهمية تجسير العلاقة بين المواطن والمرفق الصحي، ليس فقط في إطار العلاج، بل باعتباره شريكا في الوقاية وبناء الوعي الجماعي.
نحو عدالة صحية مجالية
تأتي هذه الخطوة في سياق أوسع تعكس توجها استراتيجيا وطنيا لمكافحة التدخين، التي تتبناها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والتي تضع ضمن أولوياتها تعزيز الوقاية من الأمراض المرتبطة بالتبغ، منها أمراض القلب، السكتات الدماغية، والسرطانات، خاصة سرطان الرئة الذي يعد التدخين مسؤولا عن حالاته، أيضا تعزيز الثقة في المنظومة الصحية الإقليمية، وترسيخ مبادئ الأمن الصحي والعدالة المجالية، عبر إشراك الفاعلين المدنيين ومكونات الإعلام الجاد، بما يساهم في بناء نموذج محلي متماسك للصحة المجتمعية، يرتكز على القرب، والانخراط الجماعي، والتفاعل مع قضايا الصحة العمومية بمنطق تشاركي مستدام.
التبغ بثوب عصري
اختير لهذه النسخة شعارا لم يكن اعتباطيا، فصناعة التبغ لم تعد تكتفي بترويج السجائر التقليدية، بل طورت من أساليبها لتستهدف فئات أكثر هشاشة، خصوصا فئة الشباب، من خلال منتجات بديلة منها السجائر الإلكترونية والنيكوتين المُنكه، الذي يسوق على أنه “أقل ضررا” أو “أكثر عصرية”، كما أبرز العرض التفاعلي، أن هذه البدائل ليست سوى وجه آخر للخطر نفسه، بل وقد تكون أشد فتكا على المدى البعيد نظرا لطبيعتها المضللة.
منطق القرب الصحي
اللافت في هذه المبادرة، أيضا، رهانها على الانفتاح على المحيط المحلي كأحد مفاتيح تجويد المنظومة الصحية، فبقدر ما تؤكد فعاليات كهذه على أهمية الوقاية، فإنها تساهم أيضا في ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، وتعيد الاعتبار لمنطق “القرب الصحي” كدعامة أساسية للأمن المجتمعي، وما شهده المستشفى الإقليمي الزموري بالقنيطرة لا يمكن اختزاله في نشاط ظرفي، بل هو جزء من تحول تدريجي نحو جعل الصحة أولوية مجتمعية.














