المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن ندوة علمية حول قانون العقوبات البديلة

Apr 23, 2026 /

المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن

الأخبار 24: مليكة بوخاري

احتضنت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، يوم الخميس 24 يوليوز الجاري، في سياق وطني يتسم بإعادة النظر في فلسفة العقوبة وفعالية السياسة الجنائية، وتماشيا مع الدينامية التشريعية المتسارعة التي تعرفها المملكة، ندوة علمية وازنة بعنوان: “قانون العقوبات البديلة: غايات التشريع ومقومات التنزيل”، وقد شكل هذا اللقاء منصة فكرية ومؤسساتية لبحث مضامين القانون 43.22، الذي يمثل تحولا نوعيا في مسار تطور التشريع الجنائي المغربي، من خلال تبنيه مقاربة جديدة توازن بين الزجر، الإصلاح، وإعادة الإدماج.

جريدة الاخبار 24 % - المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن ندوة علمية حول قانون العقوبات البديلةتحديات العدالة الجنائية
لم يكن تنظيم هذه الندوة العلمية معزولًا عن السياق العام الذي تعيشه منظومة العدالة الجنائية بالمغرب، والتي تشهد دينامية متسارعة على المستويين التشريعي والمؤسساتي، في مواجهة تحديات بنيوية باتت تؤثر بشكل ملموس على فعالية السياسة الزجرية، وتأتي في مقدمة هذه التحديات الارتفاع المقلق في عدد السجناء، وضعف آليات إعادة الإدماج، وتصاعد معدلات العود، إلى جانب تصاعد المطالب الوطنية والدولية بضرورة ملاءمة السياسة الجنائية مع المعايير الكونية لحقوق الإنسان، بما يحقق التوازن بين حماية النظام العام وضمان كرامة الأفراد وحقوقهم الأساسية.

جريدة الاخبار 24 % - المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن ندوة علمية حول قانون العقوبات البديلةتنوع مؤسساتي يغني النقاش
تميز اللقاء بحضور وازن لمختلف مكونات منظومة العدالة، على رأسهم الوكيل العام عبد الكريم الشافعي رئيس المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، نقيب هيئة المحامين، وكلاء الملك، قضاة، أكادميين،أطر إدارية، ومدير السجن المركزي، طلبة باحثين في شعب القانون وممثلي وسائل الإعلام الوطنية والمحلية، ما أتاح تعددية في الرؤى وعمقا في النقاش، رسخ ثراء المقاربة التحليلية لموضوع العقوبات البديلة.

جريدة الاخبار 24 % - المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن ندوة علمية حول قانون العقوبات البديلةمقاربة نقدية للعقوبات البديلة
قدم الأستاذ عبد الصمد البردعي، النائب الأول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، خلال هذا اللقاء العلمي، مداخلة تحليلية معمقة تناول فيها الأبعاد النظرية والعملية لقانون العقوبات البديلة، واضعًا إياه في سياق التحول البنيوي الذي تعرفه السياسة العقابية بالمغرب، ما ميز هذه المداخلة أنها لم تقتصر على تفكيك النص القانوني في حدوده النظرية، بل انخرط في قراءة مركبة لإشكاليات التنزيل الواقعي، والرهانات المرتبطة بتفعيل مضامين القانون الجديد، والتركيز بشكل خاص على دور النيابة العامة باعتبارها فاعلا محوريا في هندسة وتنفيذ السياسة الجنائية، وانطلق البردعي من فرضية مركزية مفادها أن الانتقال من نظام ثنائي للعقوبة “سالب للحرية أو مالي” إلى نظام ثلاثي يدمج العقوبات البديلة، لا تمثل مجرد تعديل تقني أو تحديث قانوني، بل تجسد تحولا نوعيا في الفلسفة الزجرية، قوامها ترشيد العقوبة و”أنسنتها”، بما يتلاءم مع التحولات المجتمعية ومتطلبات العدالة المعاصرة، وفي هذا السياق، طرح الأستاذ البردعي إشكالية محورية تتجاوز الإطار القانوني نحو عمق السياسة الجنائية ذاتها، متسائلا: هل نحن أمام أزمة بنيوية في تصور العقوبة؟ أم أن اعتماد العقوبات البديلة يندرج ضمن استجابة متدرجة لمعايير العدالة الجنائية الدولية؟، لا ينفصل هذا التساؤل عن واقع مقلق تعيشه المؤسسات السجنية، في ظل تفاقم ظاهرة الاكتظاظ، وتراجع مؤشرات إعادة الإدماج، وارتفاع معدلات العود، ما يدفع إلى إعادة التفكير في مدى نجاعة النموذج التقليدي للعقوبة، ووضع الإصلاحات التشريعية الجديدة، وفي صدارتها قانون 43.22، أمام امتحان التفعيل الواقعي والنجاعة المؤسساتية.

جريدة الاخبار 24 % - المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن ندوة علمية حول قانون العقوبات البديلةبدائل السجن بين النص والتفعيل
ينص القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة على مجموعة من التدابير الزجرية التي يمكن للمحاكم اعتمادها في مواجهة بعض الجنح البسيطة، كبديل عن العقوبات السالبة للحرية، تشمل هذه البدائل: العمل لأجل المنفعة العامة، الغرامة اليومية بدلا من الحبس، المراقبة الإلكترونية عبر السوار الإلكتروني، إجراءات الإصلاح والتأهيل الاجتماعي، والمنع من ممارسة أنشطة معينة أو الولوج إلى فضاءات محددة، لا تعبر هذه الصيغ البديلة فقط عن تعديل في الشكل، بل تعكس تحولا استراتيجيا في فلسفة العقوبة، تنتقل من منطق الردع السلبي إلى منطق التأهيل الإيجابي، ومن العزل داخل المؤسسة السجنية إلى الانخراط في الفضاء المجتمعي، بما يعيد للجاني دوره كفاعل قابل للإصلاح بدلا من اعتباره مجرد عنصر خطر ينبغي عزله، لا يكمن الرهان الأساسي في تنويع أدوات الزجر، بل في مدى قدرة منظومة العدالة على تفعيل هذه البدائل بفعالية وانضباط، بعيدا عن الهواجس الشكلية أو التراخي المؤسساتي، لضمان عدم المساس بمصداقية الردع ولا بتحقيق العدالة، أبرز الأستاذ عبد الصمد البردعي في هذا السياق، على أهمية خاصة لدور النيابة العامة، مؤكدا أن نجاح هذا التحول التشريعي يمر حتما عبر إعادة تعريف وظيفة النيابة العامة، لا كجهة متابعة فحسب، بل كفاعل مسؤول عن تنزيل هذه المقتضيات بروح إصلاحية، ويتجلى ذلك، وفق البردعي، في قدرة النيابة العامة على تحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع ومصلحة الجاني، وانتقاء الملفات المناسبة لتطبيق العقوبات البديلة، بما يضمن تفعيلا عقلانيا وفعالا لهذا الورش التشريعي الطموح.

جريدة الاخبار 24 % - المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن ندوة علمية حول قانون العقوبات البديلةتحديات التفعيل ومخاوف التنفيذ
شدد الأستاذ عبد الصمد البردعي، في معرض مداخلته، على أهمية مواكبة تنفيذ العقوبات البديلة وضمان مراقبتها بشكل فعال، مؤكدا أن النيابة العامة مدعوة للاضطلاع بدور مركزي في هذا المسار، لا يقتصر على التفعيل، بل يشمل أيضا تأطير وتحسيس الفاعلين القضائيين والإداريين بأبعاد هذا التحول التشريعي وأهدافه، وفي هذا الإطار، دعا إلى تكوين القضاة وأعضاء النيابة العامة لفلسفة العقوبات البديلة وآلياتها التقنية والقانونية، والتأكيد على ضرورة إعداد دلائل مرجعية عملية، تساهم في توحيد الرؤية وتسهل عملية التنزيل الميداني للقانون داخل مختلف المحاكم والجهات المعنية، غير أن هذا الطموح الإصلاحي، على الرغم من الوجهة النظرية التي يحمله، لم يكن بمنأى عن تحفظات وتساؤلات مشروعة أُثيرت خلال أشغال الندوة، لعل أبرزها:
_إلى أي حد يمكن للرأي العام أن يتقبل فكرة معاقبة الجاني بالعمل لفائدة المنفعة العامة بدلا من السجن؟.
_وهل تمتلك الجهات المكلفة بالمراقبة، من سلطات محلية ومصالح اجتماعية وأمنية، الموارد البشرية واللوجستيكية الكافية لتأمين تتبع فعال لتنفيذ هذه العقوبات؟.
_ثم ما مدى جاهزية الدولة لوضع إطار مؤسساتي زمني لتقييم الأثر الواقعي لهذا التحول؟.
وإن بدت هذه التساؤلات، تقنية في ظاهرها، إلا أنها تطرح في العمق تحدي الثقافة القانونية المجتمعية، وتؤكد أن نجاح ورش العقوبات البديلة لا يقاس بصدور القانون، بل بقدرته على ترسيخ تصور جديد للعدالة، يوازن بين النجاعة الزجرية والبعد الإنساني، في إطار تحول ثقافي ومؤسساتي شامل.

جريدة الاخبار 24 % - المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تحتضن ندوة علمية حول قانون العقوبات البديلةتوصيات لتفعيل شامل
واختتمت أشغال الندوة بمجموعة من التوصيات العملية التي ركزت على أربع مستويات أساسية لضمان نجاح تطبيق قانون العقوبات البديلة.
_أولا، المستوى التشريعي، حيث أوصت الندوة بضرورة إصدار نصوص تنظيمية دقيقة تحدد بوضوح آليات تطبيق العقوبات البديلة وشروطها القانونية.
_ثانيا، المستوى القضائي، الذي يتطلب إدماج هذه العقوبات ضمن منظومة الاجتهاد القضائي، مع توفير دعم ملموس للنيابة العامة عبر دلائل تطبيقية مرجعية تسهل عملها الميداني.
_ثالثا، المستوى المؤسساتي، توفير الموارد البشرية واللوجستيكية الكافية للإدارة القضائية والإدارية، بما يمكنها من متابعة تنفيذ العقوبات البديلة وضمان فعاليتها.
_وأخيرا، المستوى المجتمعي: يستوجب إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجامعات في حملات تحسيس وتكوين، لترسيخ ثقافة جديدة تقبل فكرة العدالة الإصلاحية وتدعم هذا التحول التشريعي.

العدالة الجنائية في مسار تجديدي
شكلت الندوة التي عقدت بالقنيطرة خطوة أولى في مسار طويل لإعادة تشكيل منظومة العدالة الجنائية بالمملكة، لا يعد قانون العقوبات البديلة مجرد استجابة لضغوط اكتظاظ السجون، بل يعكس تحولا جوهريا في بنية الدولة والمجتمع، من خلال إقرار رؤية جديدة للعقوبة بوصفها أداة إصلاحية من أجل إعادة إدماج الفرد بدلا من كونها وسيلة للانتقام والعزل.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×