لقاحات ذكية تراهن على البصمة الجينية
تبدو لقاحات السرطان اليوم بعد عقود من الأبحاث المتواصلة التي تراوحت نتائجها بين التعثر والآفاق المحدودة، أمام منعطف علمي قد يعيد صياغة بعض قواعد التعامل مع الأورام الخبيثة، فقد أعلنت شركتا “موديرنا وميرك” تحقيق نتائج إيجابية ضمن تجربة سريرية متقدمة للقاح شخصي يعتمد تقنية الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، استخدم لدى مرضى مصابين بسرطان الجلد، أو الميلانوما، ضمن خطوة اعتبرتها أوساط علمية واقتصادية مؤشرا على انتقال هذه التكنولوجيا من نطاق التجارب الواعدة إلى مرحلة أكثر نضجا، قد تفتح الطريق أمام جيل جديد من العلاجات المصممة وفق البصمة الجينية الخاصة بكل ورم.
لقاح يلاحق السرطان بعد الجراحة
لا يتعلق الأمر بلقاح وقائي دون نشوء السرطان، بل بعلاج شخصي يطور بعد الاستئصال الجراحي للورم، من أجل إعادة تدريب الجهاز المناعي على رصد الخلايا السرطانية المتبقية والقضاء عليها، وبالتالي خفض مخاطر الانتكاس أو انتقال المرض إلى أعضاء أخرى، وقد شملت التجربة 1137 مريضا، تلقى جزء منهم العلاج المناعي «كيترودا» وحده، فيما خضع آخرون للمزيج العلاجي الذي يجمعه باللقاح الشخصي، لتخلص الدراسة إلى تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في إطالة الفترة الخالية من عودة السرطان، إلى جانب مؤشرات إيجابية بشأن الحد من انتشاره، تستند هذه المقاربة إلى حقيقة أن لكل ورم بصمته الجينية الخاصة، حتى عندما يتعلق الأمر بالنوع ذاته من السرطان، إذ تحلل عينات من الورم والدم بعد الجراحة لرصد الطفرات الأكثر تمييزا للخلايا الخبيثة، قبل أن تتولى خوارزميات متخصصة تحديد الطفرات الأقدر على تنشيط الاستجابة المناعية وتحويلها إلى تعليمات مشفرة داخل جزيئات mRNA لإنتاج لقاح مصمم خصيصا لكل مريض، قد يضم اللقاح ما يناهز 34 طفرة من الورم نفسه، ما يمنح الجهاز المناعي أهدافا متعددة والحد من قدرة الخلايا السرطانية على الإفلات عبر تغيير هدف واحد، فيما تستغرق عملية تصنيع الجرعة الشخصية نحو ستة أسابيع بالتوازي مع بدء العلاج المناعي.
اللقاح يعيد برمجة المناعة ضد الورم
يرتكز نجاح هذه المقاربة العلاجية على التكامل بين اللقاح و«كيترودا»، إذ يؤدي كل منهما وظيفة متكاملة في إعادة توجيه الجهاز المناعي ضد الورم، بينما يعمل اللقاح على تقديم الطفرات الجينية الخاصة بالسرطان إلى الخلايا المناعية وتحفيز الخلايا التائية للتعرف إليها واستهدافها، يتولى العلاج المناعي تعطيل إحدى الآليات التي تلجأ إليها الخلايا السرطانية لتحييد الاستجابة الدفاعية للجسم، يكتسب اختيار الميلانوما كبداية أهمية خاصة، بالنظر إلى غناه بالطفرات، ولا سيما تلك المرتبطة بالتعرض للأشعة فوق البنفسجية، ما يوفر للجهاز المناعي عددا أكبر من الأهداف التي يمكن تمييزها ومهاجمتها، تبرز أهمية هذه الاستراتيجية أيضا في اختلافها عن محاولات علاجية سابقة تركز على بروتينات توجد كذلك في الخلايا السليمة، إذ جرى اختبارها لدى مرضى في مراحل متقدمة من المرض، عندما تكون الأورام قد طورت قدرة أكبر على الإفلات من الاستجابة المناعية، أما إعطاء اللقاح بعد الاستئصال الجراحي للورم، ينقل المعركة إلى مرحلة أكثر حساسية، حيث يستهدف الجهاز المناعي الخلايا السرطانية المتبقية بأعداد محدودة، قبل أن تتمكن من إعادة بناء الورم أو الانتشار مجددا، ما يجعل الوقاية من الانتكاس جزءا مركزيا من فلسفة هذا النهج.
لقاحات تعيد رسم معركة السرطان
لا يبدو أن الرهان العلمي سيتوقف عند الميلانوما، إذ تمتد التجارب إلى أورام أخرى، حيث تختبر «موديرنا» و«ميرك» التقنية ذاتها في سرطانات الرئة والمثانة والكلى، بينما تعمل «بايونتك» بشراكة مع «روش» على تطوير لقاحات شخصية تستهدف سرطاني البنكرياس والقولون، إلى جانب مقاربات موجهة لأورام الرئة والرأس والعنق، تكتسب هذه الجهود زخما إضافيا بالنظر إلى أن شراكة «موديرنا» و«ميرك» تعود إلى سنة 2016، ما جعل النتائج الراهنة ثمرة مسار طويل من البحث والاستثمار، ما انعكس فورا على الأسواق بارتفاع أسهم الشركتين، وسط رهانات على دخول «موديرنا» سوق علاجات السرطان التي تتجاوز قيمتها 240 مليار دولار، مع تطلع الشركة إلى طرح العلاج في 2027، في انتظار اكتمال البيانات والحصول على الموافقات التنظيمية، غير أن الانتقال من النتائج الواعدة إلى الاستخدام الواسع يظل رهينا بتحديات علمية وصناعية واقتصادية دقيقة، أبرزها إثبات أن تقليص معدلات الانتكاس والانتشار يترجم فعليا إلى إطالة أعمار المرضى، ما لن تحسمه سوى المتابعة طويلة الأمد، وعن التعقيدات المرتبطة بتصنيع علاج مخصص لكل مريض، بدءا من التحليل الجيني السريع وتحديد الطفرات المستهدفة، وصولا إلى إنتاج الجرعة خلال فترة زمنية محدودة، في ظل كلفة قد تتجاوز 100 ألف يورو لبعض العلاجات الشخصية، وبذلك، لا يفتح النجاح الحالي الباب أمام «لقاح شامل للسرطان» بقدر ما يؤشر لتحول محتمل لجيل جديد من العلاجات المبنية على الخصائص الجينية الدقيقة لكل ورم، وإذا أثبتت النتائج النهائية سلامة «intismeran» واستدامة فعاليته وقابليته للإنتاج على نطاق واسع، فقد ينتقل من كونه تجربة واعدة ضد الميلانوما إلى نموذج عملي لفكرة طبية ظل العلماء يطاردونها لعقود: توظيف البصمة الجينية للورم لتدريب جهاز المناعة على التعرف إلى السرطان ومهاجمته بقدر أكبر من الدقة والتخصيص.













